حتى أكثر الناس عنادا وتفريطا، يعودون كالبعير المعبد المنقاد، فيتلاشى عنادهم وتفريطهم، وتململهم وسأمهم من الطواعية لله تعالى رب العالمين؟.
لا نجد لذلك جوابا: إلا محض القدر والرحمة يزرعها الرب سبحانه في نفوس وقلب المؤمنين في رمضان خاصة، لا يدركون لذلك سببا سوى بركة شهر مبارك سرى إلى قلوبهم وأبدانهم وعقولهم.
إنها رحمة كبرى تحمل الإنسان بكل يسر وسهولة، فلا يجد للعبادة مشقة، ولا للمعصية ميلا ورغبة، يطير بالرضا والمحبة، تلك المحبة التي تحدثنا عنها فيما سبق، التي تخفف السير إلى الله تعالى، وتحليه وتزينه في القلوب.
هذا الجانب قدري في الإنسان؛ بمعنى أنه يحصل له من دون اختياره، ولا استحقاق سابق، بل محض فضله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} .
اختص بعض عباده للرسالة، بغير اختيار منهم، فوجدوا"طواعية النفس"لتحمل أعبائها، بما فيها من قول وحمل ثقيل: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} .
واختص بعض عباده للإيمان، بغير اختيار منهم، فوجدوا"طواعية النفس"لجهاد نفوسهم: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم} .
كذلك اختص من عباده لصيام رمضان، وسهل عليهم وأعانهم، فبدد ضعهم وشقوتهم، وأبدلهم قوة ورغبة، فالقربات تواتيهم من غير كلفة، بل تسري في عروقهم كما يسري الدم، هذا طبيعة الجسد، وهذه طبيعة النفس في رمضان.
تلك رحمة لا نلتفت إليها، ولا نتدبر أسرارها!! ..
كيف لو أنه تعالى ترك الناس في رمضان من دونها، فوكلهم إلى نفوسهم، فلم يسهل، ولم يطوِّع، ولم يليّن القلوب؟.
هل كنا نجد الزحام في المساجد، وعند بيوت الفقراء، وهذا التعاطف بين الناس؟.
وقد ترك لنا في هذا آية؟!.