والبديهي: أخصُّ من الضروري ، لأنه ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب ، سواءً احتاج لشئ آخر من نحو [ حدس ] أو [ تجربة ] ، أو لا كتصور الحرارة والبرودة ، والتصديق بأنَّ النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان . والأوليات هي .. البديهيَّات بعينها ، سميَّت بها لأن الذهن يلحق محمول القضيَّة بموضوعها أولًا ، لا بتوسط شئٍ آخر ، فذاك المتوسط هو المحمول أولًا . [ كليَّات أبي البقاء الكفوي الحنفي ـ مادة البداهة ] .
والمسلَّمات ، والبديهيات ، والأوليات .. يكوِّن أحدها [ المقدِّمة الكبرى ] في القياس المنطقي ، لكونها مقبولة من الطرفين .
مما تقدم نستطيع أن نصل إلى تعريفٍ إسمي لمركب [ سرعة البديهة ] .. فنقول هي:
المبادرة في الإجابة ـ من غير استعداد ـ فيما حقَّه التفكر والتأخير ، مع تمام التوفيق في إصابة المأمول .
فالتسرع مذمومٌ .. لأنه يؤدي إلى التفوِّه بما يكون وبالًا على صاحبه ، ولذلك امتدحوا [ التأني ] ، فقالوا: [ من تأنَّى نال ما تمنَّى ] !! ، وقال عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
[ ليت لي عنقًا كعنق العير ] ، مشيرًا - رضي الله عنه - إلى عدم السرعة في الإجابة.
ولكنَّ بعض المواقف تستدعي: المسارعة ، والمبادرة ، وهذه المسارعة لا تتسنى لكلِّ أحد بحيث تكون .. جوابًا مسكتًا ، أو جوابًا مصيبًا ، أو يقتضيه المقام بحيثُ يكون التأخير سببًا للتُهمة والمؤاخذة ـ كما في حضرة الحكام في أمرٍ يعنيهم ـ .
ولعلَّ من أبلغ ما قيل في وصف سرعة البديهة ، ما تكلم به الإمام العلم العيلم ، مفخرة العراق في الآفاق ، السيِّد الموسوي الحسيني أبو الثناء محمود شهاب الدين الآلوسي البغدادي الحنفي عامله الله بلطفه الجليِّ والخفيِّ ، إذ قال عن نفسه ـ وهو صادقٌ ـ:
[ فما استودعت ذاكرتي شيئًا فخانتني ، ولا استنجدت بها يومًا فخذلتني ] !! ، فعدم الخذلان هو .. سرعة البديهة .