فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 52

في إحدى المساءات الحلوة، جسست لك النبض، نسيت الإشارة الحمراء التي تفصل بين عبوري من نفسي إليك، خرج من عينينا لمع خفيف لا توقفه قوى الأرض كلها. ولا الحراس ولا القانون. ولا اللّه. لم أنم ليلتها رغم مناوبتي وتعبي حتى الصباح في غرفة الانعاش. أصابعي مدبقة بدمعك مسحتها وأنت تتوسلين لي أن أريحك من آلامك بإبرة في الوريد. ووعدتك مازحًا بطريقة تريحك وبدأت الوخز بالروح حتى الموت. كنت أمزح، كنت أكذب. نسيت بأن المزاح سيرتدي في يوم موتك لون الكحل.

كنت مطروحة فوق السرير، تقرئين، تنامين وحدك، وتستفيقين لا أب يسأل ولا أخ ولا قريب. أخبرتني بأن أمك قبل عشر سنين لطمت وجهها، وشدّت شعرها، وفي انهيارك في المشفى للمرة الثانية بكت واعتقلت ألف دمعة.

ولما صار الألم مستمرًا ومملًا صارت تزورك بضحكة مخضبة بالحسرة.

قبل ست سنوات من الآن كنت أترك لحيتي السوداء على سجيتها، كنت كالمجنون بالحفظ، حفظ شكل العظام، ومسيرات الدماء، ومناطق تواجد الأوردة. لي طموح واحد، أن أرجع إلى بلدي بلقب طبيب، أخرج من باب هذا المشفى ولا أعود إليه.

قبل أن أثور بدمعك الصافي كالفضة لم أفهم ما معنى الإنسانية كان الوريد أنبوبًا رفيعًا يحرّك أجسادًا تالفة، وبعدك صار له شكل آخر ولون ورائحة لم نقرأ عنها في كتب الطب. صار له همس القصب وانحناءات نهر بين الحصى وتحت خشب المراكب.

يا من بدأت تفتحين أبوابك في رياضي لتحويني في حضن اللّه... قصائدك قبل أن تنشر في كتاب لم أفهمها في مسودتها، لأني لم أرد أن أفهمها ربما لضيق الوقت أو لانشغالي بالأهم. مررتِ بي كما تمر نجمة في وضح النهار ولا نراها لأن الشمس أقوى من كلّ الكواكب.

نشتم رائحة الزبالة ولو كانت في يدنا وردة حين نمر بالقمامة الفائضة على الأرصفة لأننا لا ننشدّ لسوى الأقوى... لسوى الأكثر والأكبر. حين نختلي بأنفسنا بين أربعة جدران لا نجد وقتًا للصلاة ولا نفكر حين ننظر إلى ستائر النافذة بسوى نوعية قماشها وطريقة حياكتها.

مذ فهمت نظرتك الأولى حذرتك مني. من ذاك الحقد والبعد بيني وبين النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت