فهرس الكتاب
الأولى: عدم قبول الفرد للكلام إلا من شخصية تنتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته. وكل فكرة أو قول يصدر عنها فهو مقبول. بينما لو طرح أي قائل أو عالم أو عامل لا ينتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته فكرةً أو رأيًا؛ بل ربما كان أكثر حنكة وأقوم سبيلًا لرفضه دون بحث أو نظر. وصدق المولى حين قال:"وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" (1) . فالكثيرون لا يحللون ولا يدرسون ما يُقال وما يطرح عليهم من أفكار، بل هم أسرى لشخصيات بعينها. إذا قالت فقولها صواب، ومن خالفها فهو جاهل لا علم له ولا وعي.
والثانية: هي رفض الكلام أو الفكرة التي تُعرض. فبدلًا من أن يتم تهذيب أو نقد أو تطوير الفكرة ينصرف التركيز على صاحبها. ويصبح الحديث عن ذاته، وتترك الفكرة وتنسى. كما اتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسحر والجنون"وقالوا معلم مجنون" (2) . فالكفار لم يناقشوا الفكرة، بل ركزوا على شخصية القائل. وقد تزداد الأمور سوءًا وذلك بالنيل من صاحب الفكرة، ونيته وولائه وتربيته، وتتم رسم صورة له في أذهان الناس بحيث يبدو وكأنه لص أو منحرف ما كان يرجو الإصلاح، فإذا ما ذكر اسمه تُذكر الصفات التي أُلصقت به ولا تُذكر فكرته، تمامًا كما حدث مع الطفيل بن عمرو الدوسي الذي نصحه المشركون بأن يسد أذنه حتى لا يسمع كلام محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما رآه الطفيل لم يذكر أفكار وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل تذكر تحذيرات المشركين فأسرع بسد أذنه، ولولا أنه كان عاقلًا لبيبًا حكيمًا لما أقبل على
الاستماع لقول وفكرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(1) سورة الزخرف: 31
(2) سورة الدخان: 14