الصفحة 86 من 143

يجب تربية الأفراد على أنهم ليسو كمًا مهملًا، وأن قياداتهم لا يشترط أن تحيط علمًا بكل شيء، وأن هذه القيادات تحتاج إلى آراء وأفكار العاملين، وأن قرارات وأفكار وتصورات القادة تحتاج إلى مزيد من التفكير والنظر، وأن كل فكرة تطرح إما أن تبين جانبًا من القصور أو تبين طريقًا خطأً يمكن إسقاطه بعد مناقشته، أو طريقًا للبناء يمكن استثماره. ولا ينظر للشخص بمكانته.

وليس هذا في حالة عدم التأكد من خبرة وعلم القائد فقط، بل حتى إن وجدت الثقة والتقدير للقيادة فهذا لا يعني إلغاء دور التفكير والبحث عن سبل العمل المنتجة، فهذا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يتقدم له الحباب بن المنذر ليوضح له أن الموقع الذي اختاره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بداية غزوة بدر معسكرًا للمسلمين لا يصلح، فينزل القائد - صلى الله عليه وسلم - على رأي صاحبه، وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه يشير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائد بفكرة الخندق فيمضيها القائد - صلى الله عليه وسلم - ويأمر بالتخندق. كل هذه المعطيات تدل على أن هذه الكتلة البشرية كانت تفكر وتنظر، ولا تُسلٍّم - حتى مع وجود المصطفى - صلى الله عليه وسلم - - بأن القيادة تملك حلول كل المشاكل، وأن بيدها مفاتيح كل شيء، وأن المستوى القيادي يعلم كل شيء، فتتعطل بذلك العقول، وتضيع الطاقات، التي هي ثروة هذه الأمة. وهذه هي غزوة الأحزاب لا تحسم لصالح المسلمين إلا بتدخل شخصية لم تسلم إلا في أجواء الغزوة، نعيم بن مسعود الذي جاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - - بعد أن أسلم - ويطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يساهم معهم فلا يطلب النبي منه سوى أن يخذل عن المسلمين، وبالفعل يأتي بفكرة إبداعية - ليست من إبداع الرسول القائد - وتحسم المعركة لصالح المسلمين. لم يكن التفكير حكرًا على أبي بكر وعمر وصفوة الصحابة، إنه منهج تربوي نبوي في منتهى الرقي لفن التعامل وإدارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت