الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذا جزء حديثيُّ جمع فيه الإمام السخاوي الأحاديث التي فيها جواز ضرب الدواب، ثم أتبعها بأحاديث وآثار وقصص فيها الرفق بها. تكلم عليها بنفسه الحديثي المعروف، ذاكرًا مصادرها، ثم مبينًا أحيانًا درجتها وغريبها.
وفي هذه الرسالة «بيان واضح أن الإسلام هو الذي وضع للناس مبدأ «الرفق بالحيوان» خلافًا لما يظنُّه بعض الجهال بالإسلام أه من وضع الكفار الأوربيين؛ بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيمًا دقيقًا، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أن من خصوصياتهم! وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يُرى هذا النظام مطبقًا في دولة الإسلام وكانوا هم أحق بها وأهلها» [1] .
بيد أن الرفق بالحيوان لا يخرجه عن دائرة الحيوانية، بحيث يكون أعلى مرتبة من الإنسان، بل الإسلام وسط في ذلك، يعطي كلَّ مخلوق حقه، فالإنسان مكرَّم ومسخَّر الكون له، والحيوان مأمور بالرفق به، منهي عن تعذيبه وإيذائه، ولكنه أقل مرتبة من الإنسان، ومسخر له.
والغربيون حينما ابتعدوا عن منهج الله سبحانه، وغابت الروابط الدينية بينهم، راحوا يبحثون عن الارتباط بالحيوانات، فأسكنوها بيوتهم ومنازلهم، وقدَّموا لها أفخر أنواع الطعام والشراب، وفي الوقت نفسه ذهبوا بآبائهم (كبار السِّن) إلى (ملاجئ العجزة) ، فنجد الرجل والواحد منهم في الغرب يخرج أباه من بيته، ويتخذ عوضًا عنه كلبًا أو قطًّا، وفي الوقت الذي يرفقون فيه بالحيوان ويغالون في ذلك [2] ، تجدهم يحتقرون الإنسان، فالأسود في (أمريكا) وفي جنوب (إفريقيا) يعدُّونه أحط منزلةً من الحيوان، وهكذا فإن الإنسان عندما يبتعد عن منهج الله -عز وجل- يتناقض في تصرفاته تناقضًا كبيرًا.
نسبة هذا الجزء لمؤلفه:
(1) من كلام شيخنا الألباني -بعد سياقه جملة من الأحاديث والآثار، يحسن الرجوع إليها- في «السلسلة الصحيحة» : 1/ 37.
(2) من مثل ما جاء في مجلة «الهلال» (مجلد 27 ج9 ص126 تحت عنوان:(الحيوان والإنسان) : «إن محطة السكك الحديدية في (كوبنهاجن) كان يتعشعش فيها الخفاش زهاء نصف قرن، فلما تقرر هدمها وإعادة بنائها أنشأت البلدية برجًا كلفته عشرات الألوف من الجنيهات منعًا من تشرد الخفاش» .