المقدمة
الحمد لله وكفي وسلام علي عبده المصطفي، وبعد:
فهذه رسالة وجيزة توخيت من خلالها عرضًا علميًا لمنهج شيخ الإسلام ابن تيميه في النقد والحكم على الآخرين وبيان القواعد الأساسية التي ينبني عليها النقد العلمي البناء، استوحيت ذلك من خلال إطلاعي المستمر لكتب شيخ الإسلام ومصنفاته.
والذي دفعني إلى الكتابة في مثل هذا الموضوع الخطير مع قلة بضاعتي فيه أني رأيت كثيرًا ممن يتصدى في نقد الناس يغلب علية الجانب العاطفي في تقويم الآخرين، ودون أن يحكم بميزان الكتاب والسنة وقواعد هذا العلم، فيكثر منه صدور الأحكام الخاطئة دون أن يتحرى المنهج السليم في النقد، والسبب الثاني الذي دفعني إلي الكتابة في هذا الموضوع، أنني لم أر جمع قواعد هذا الفن في مصنف مستقل. وإنما هو مثبوت في القرآن العزيز والسنة المطهرة وكلام السلف. وفي بطون الكتب والمؤلفات.
والذي قمت به إنما هو جمع الكلام، وترتيبه علي نسق واحد وفي مكان واحد، ليسهل علي طلبة العلم الرجوع إليه والانتفاع منه.
وإنما اخترت شيخ الإسلام دون غيره، سببين رئيسيين:
أولهما: لأنه أول من قعد منهج أهل السنة والجماعة، وأبرز من أهتم بها ودافع عنها، ورد علي المخالفين خاصة بعد حدوث معتقدات منحرفة ومناهج بدعية بسبب الانحراف عن المنهج الصحيح
وثانيهما: أنه متأخر جدا جمع ما لم يجمعه غيره، ويكفي في ذلك شهادة أهل الحديث والفقهاء عنه: (( كان الفقهاء في سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا، ولا يعرف أنه ناظر أحد فانقطع عنه، ولا تكلم في علم من العلوم إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها ) ).