فهرس الكتاب
الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون إهانة له، فهذا معنى قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88) .
وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215) ، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هينًا لينًا بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم [353] ، والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس، والله الموفق.
ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم، والرفق به والإحسان إليه قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} . [1] بين الله في هذه الآية أن من قتل نفسًا بغير نفسه أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين، فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين، كما أن من كذب رسولًا واحدًا من الرسل، فكأنما كذب جميع الرسل. ولهذا أقرأ قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) الشعراء105، مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدًا، فإنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح، وما بعد نوح لم يدركه قومه، لكن من كذب رسولًا واحدًا فكأنما كذّب جميع الرسل، ومن قتل نفسًا محرمة، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن أحياها أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا.
(1) سورة المائدة آية (32) .