وفي مواجهة دعوة عنيفة إلى الروحية الخالصة ممثلة في إنكار حق الحياة وقسر الرغبات البشرية برزت المادية كرد فعل عنيف طاغٍ، ولو أن الفكر الغربي فهم الإسلام حق الفهم لوجده قادرًا على العطاء الذي يمكن العلم من أداء دوره دون أن يقع في المحاذير والأخطاء التي ساقه إليها مفهوم غير متكامل، ولا ريب أن من يطالع المذهب المادي على النحو الذي قدمه المتطرفون من أمثال بخنز يجده حربًا عنيفة على تفسيرات الدين ومعارضة لكل ما قدمته هذه التفسيرات حتى ليكاد دعاة المذهب المادي أن يذهبوا أساسًا إلى معارضة الاجتماع والوضع البشري، ويبدو ذلك ظاهرًا من محاولة شبلي شميل حين ترجم مذهب النشوء والارتقاء إلى اللغة ###119### العربية بعد الاحتلال البريطاني لمصر، فإنه لم يقف عند عرض المذهب الفلسفي وحده، ولكنه حاول اتخاذه أساسًا للمجتمع والأسرة والمدرسة والشريعة والقضاء والسياسة؛ فاعتبر المذهب المادي دينًا جديدًا، هو دين البشرية وعلى العرب والمسلمين أن يحلوه محل عقائدهم، كما فعل الغربيون حين عارضوا رؤساء الأديان، فدعا إلى ما أسماه تحرير الإنسان من بواعث التفرق التي غرستها الأديان، وقد كان هذا الاقتباس خاطئًا تمامًا، فإنما استغل الفلاسفة مذهب دارون في الغرب، وحولوه إلى ما أسموه دين البشرية، وهو العلم والعقل، لأنهم كانوا على خلاف مع تفسيرات الدين، ولذلك أرادوا التحرر من آثاره الباقية في المجتمع والمدرسة، وليس كذلك الإسلام في أفق العالم الإسلامي، ولكن هكذا، هدفت القوى الاستعمارية أن تفسد الفكر، وتثير الشبهات، وتنقل ما هو واقع في بيئة مختلفة إلى بيئة أخرى ليست لها به صلة ما.