وعنده أن كل مذهبين مخالفين إما أن يكون أحدهما صادقًا والآخر كاذبًا، وإما أن يكونا جميعًا كاذبين، والحق غيرهما جميعًا، وإما أن يكونان جميعًا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة؛ ويرى قدري طوقان ومصطفى نظيف وغيرهما، أن ابن الهيثم لم يسبق"بيكون"فحسب، وإنما سما عليه فقد ###77### كان أوسع منه أفقًا، وأعمق تفكيرًا، وقد أوضح هذا المعنى الأستاذ بريفولت بما لا يدع زيادة لمستزيد حين قال: إن ما يدين به علمنا لعلم العرب والمسلمين ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا العلم الثقافة الغربية بأكثر من هذا، إنه مدين لها بوجوده نفسه، فالعلم القديم لم يكن للعلم فيه وجود، وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية، استجلبوها من خارج بلادهم، وأخذوها من سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام، فتمتزج امتزاجًا كليًا بالثقافة اليونانية، لقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث وجمع المعلومات الإيجابية والمناهج التفصيلية للعلم والملاحظة الدقيقة المستمرة والبحث التجريبي كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني، ولم يقارب البحث العلمي نشأته في العالم القديم إلا في الإسكندرية في عهدها الهليني، أما ما ندعوه العلم فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة ويطرق التجربة والملاحظة والمقاييس ولتطور الرياضيات إلى صور لم يعرفها اليونان، وهذه الروح وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب والمسلمون إلى العلم الأوروبي، ولم يقف الأستاذ بريفولت عند إقرار دور الفكر الإسلامي ###78### وأصالته وإضافته الواضحة المبتكرة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قرر: أن روجر بيكون نقل مذهب العرب في البحث العلمي، يقول:"إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلم العربي والعلوم العربية في مدرسة اكسفورد على خلفاء معلميه في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه فرنسيس بيكون الذي جاء"