قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخلَ مسجدَك؛ فتقومَ ولا تفترَ، وتصومَ ولا تفطرَ؟". قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستَنُّ في طِوَله، فيكتب له حسنات [1] .
ومنها ما رواه أبو هريرة أيضًا؛ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"انتدبَ الله لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي: أن أُرْجِعَهُ بما نال من أجر وغنيمة، أو أُدْخِلَه الجنة، ولولا أن أشقَّ على أمَّتي؛ ما قعدتُ خلف سريَّة، ولوددتُ أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل" [2] .
وهذا الحديث فيه أيضًا بيان فضل الشهيد، حتى ليتمنَّى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُقْتَل مرارًا شهيدًا في سبيل الله [3] .
وقد تمنَّى صلى الله عليه وسلم أن يكون استشهد مع أصحابه في أحد؛ كما في حديث جابر رضي الله عنه؛ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذُكِر أصحاب أحد:"والله؛ لَوَدِدْتُ أني غُودِرْتُ مع أصحابي بحصن الجبل" [4] .
وقد ورد في فضل القتل في سبيل الله آثارٌ كثيرةٌ، تجعل المصدِّق بوعد الله يمتلئ شوقًا إلى هذا الفضل العظيم المترتب على الشهادة، ويتطلَّع إلى رفع راية الجهاد الذي يستشهد فيه المؤمنون من أجل الدفاع عن دينهم وإزالة غربته، وليخطوا بدمائهم صفحات جديدة في تاريخ الإسلام المجيد.
ومن هذه الأحاديث ما رواه مسروق [5] رحمه الله؛ قال: سألنا عبد الله - هو ابن مسعود - عن هذه الآية: (ولاَ تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في
(1) روى هذا الحديث:
-البخاري في (56 - كتاب الجهاد والسير، 1 - باب فضل الجهاد والسير، 3/ 199) .
-والنسائي في (24 - كتاب الجهاد، 17 - ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل، 6/ 19) ؛ دون الموقوف.
-وأحمد في"المسند" (2/ 344) .
-وابن أبي شيبة في"المصنف" (كتاب الجهاد، باب ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه، 5/ 333) .
-وابن منده في"الإيمان" (51 - ذكر ما يدل على أن الجهاد في سبيل الله عز وجل من الإيمان، رقم 1،241/ 398) .
-والبيهقي في (كتاب السير، باب في فضل الجهاد في سبيل الله، 9/ 157 - 158) .
-وابن عساكر في"الأربعون في الحث على الجهاد" (الحديث الثامن، ص 66) .
(2) روى هذا الحديث:
-... البخاري في (2 - كتاب الإيمان، 26 - باب الجهاد من الإيمان، 1/ 14) ، وفي (56 - كتاب الجهاد والسير، 7 - باب تمني الشهادة، 3/ 203) ، وفي (56 - كتاب الجهاد والسير، 117 - باب الجعائل والحملان، 4/ 11) ، وفي (57 - كتاب فرض الخمس، 8 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أحلت لكم الغنائم"، 4/ 50) ، وليس فيه:"فلولا أن أشق ..."وما بعدها، وفي (94 - كتاب التمني، 1 - باب ما جاء في التمني،(8/ 128) من قوله:"والذي نفسي بيده؛ لولا أن رجالًا .."الحديث، وفي (97 - كتاب التوحيد، 28 - باب(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) ، 8/ 188)؛ بلفظ:"تكفَّل"؛ دون قوله:"فلولا أن أشق. .."، وفي (97 - كتاب التوحيد، 30 - باب قول الله تعالى:(قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) ، (8/ 190) ؛ بنحو اللفظ الآخر.
-... ومسلم في (33 - كتاب الإمارة، 28 - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، رقم 103، 3/ 1495) ، وزاد:"ما من كَلْم يُكْلَم في سبيل الله؛ إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك"، وفي (33 - كتاب الإمارة، 28 - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، رقم 104، 3/ 1496) ؛ دون قوله:"ولولا أن أشق على أمتي .."، وكذلك في (نفس الكتاب والباب، رقم 105و 106و 107) ببعض اختلاف.
-... والنسائي في (24 - كتاب الجهاد، 14 - باب ما تكفّل الله عز وجل لمن يجاهد في سبيله، 6/ 16) ؛ مقتصرًا على أوله، وفي (24 - كتاب الجهاد، 30 - باب تمني القتل في سبيل الله تعالى، 6/ 32) ، وفي (47 - كتاب الإيمان وشرائعه، 24 - الجهاد، 8/ 119) ؛ دون قوله:"لولا أن أشق ...".
-... وابن ماجه في (24 - كتاب الجهاد، 1 - باب فضل الجهاد في سبيل الله، رقم 2753، 2/ 920) .
-... ومالك في"الموطإ" (21 - كتاب الجهاد، 1 - باب الترغيب في الجهاد، رقم 2، 2/ 443) ؛ دون ذكر التمني، وروى التمني فقط في (21 - كتاب الجهاد، 14 - باب الشهداء في سبيل الله، رقم 27، 2/ 460) ، ورواه كله في (21 - كتاب الجهاد، 18 - باب الترغيب في الجهاد، رقم 40، 2/ 465) .
-... والدارمي في (16 - كتاب الجهاد، 2 - باب فضل الجهاد، رقم 2396، 2/ 120) ؛ مقتصرًا على أوله.
-... وأحمد في"المسند" (2/ 231و 313و 494) ؛ دون ذكر التمني، (384) ؛ نحو رواية مسلم الأولى.
-... وأبو عوانة في (كتاب الجهاد، بيان ثواب من يكلم في سبيل الله، 5/ 24) ؛ بنحو رواية مسلم، ثم في (كتاب الجهاد، بيان ثواب من يكلم في سبيل الله، 5/ 25 - 32) ؛ بألفاظ مختلفة.
(3) - وابن منده في"الإيمان" (51 - ذكر ما يدل على أن الجهاد في سبيل الله عز وجل من الإيمان، رقم 234 - 241، 1/ 396 - 398) ؛ دون ذكر التمني.
-وابن أبي شيبة في (كتاب الجهاد، ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه، 5/ 288) .
-والبيهقي في (كتاب السير، باب فضل الجهاد في سبيل الله، ... 9/ 157) .
-وابن عساكر في"الأربعون في الحث على الجهاد" (الحديث العاشر، ص 69) .
(54) انظر:"فتح الباري" (6/ 17) .
(4) روى هذا الحديث:
-الحاكم في (كتاب الجهاد، 2/ 76) ، وقال:"هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وقد رواه من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب: حدثنا أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس بن بكير: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثني عاصم ابن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه.
-وعاصم بن عمر بن قتادة: ثقة.
انظر:"التهذيب" (5/ 53) ، و"التقريب" (1/ 385) .
-وعبد الرحمن بن جابر: ثقة أيضًا.
انظر:"التهذيب" (6/ 153) ، و"التقريب" (1/ 475) .
-وبقية رجال الإسناد ثقات، وسبقوا في مواضع؛ خلا محمد بن إسحاق؛ فهو صدوق مدلس، وقد صرَّح ها هنا بالتحديث.
(5) فالحديث بهذا الإسناد حسن؛ لحال ابن إسحاق.
(56) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، من أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلِّمون الناس السنة، وهو من أئمة التابعين وثقاتهم وفقهائهم، مات سنة (63 هـ) .
انظر:"التهذيب" (10/ 109) ،"التقريب" (2/ 242) .