الصفحة 20 من 147

فلقد كرّس الشيخ ربع قرن من حياته للقرآن، بعد أن حفظه، فالقرآن صاغ نفسه وهز كيانه، واستولى على قلبه، فاستوحاه في رسم منهجه طوال حياته، وترسم خطاه في دعوته، وناجاه ليله ونهاره، يستلهمه ويسترشده ويتأمل فيه، فيَعُب منه، ويستمد علاج أمراض القلوب وأدواء النفوس، ويذيب نفسه ويبيد جسمه الهزيل في سبيل إرجاع الأمة الجزائرية إلى الحقيقة القرآنية، منبع الهداية الأخلاقية والنهوض الحضاري، وكان همه أن يُكَوِّن رجالًا قرآنيين يوجهون التاريخ، ويغيرون الأمة، ولذلك فإنه جعل القرآن قاعدة أساسية ترتكز عليها تربيته وتعليمه للجيل، قال: فإننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم) (انظر ابن باديس، حياته وآثاره، ص79) .

وقد وصف معاناته من نظام تعليم القرآن السائد بقوله: (وذلك أني كنتُ متبرمًا بأساليب المفسرين، وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضَيِّقَ الصدرِ من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكان على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله وكتاب الله، فذاكرتُ يومًا الشيخ محمد النخلي(أستاذه المدرس بجامع الزيتونة) ، فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح، فوالله لفد فتح بهذه الكلمات القليلة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها) (ابن باديس، حياته وآثاره، ص78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت