الصفحة 47 من 147

أسرته: أسرة ابن باديس مشهورة في شمالي إفريقيا، نبغ فيها عظماء الرجال، وكانت تجمع بين العلم والجاه.. تنحدر هذه الأسرة من العائلة الصنهاجيّة، التي سطع نجمها في ميدان الإمارة والملك بالمغرب الأوسط في القرن الرابع الهجري، كان منها الأمير زيري بن منّاد ابن منقوش، أمير صنهاجة التليّة، ثم ابنه يوسف بن زيري الملقب (بولغين) ، الذي استخلفه المعز لدين الله الفاطمي على كامل المغرب بعد ارتحاله إلى مصر.

ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين، الذين كان الشيخ عبد الحميد يفتخر بهم: المعز لدين الله بن باديس، الذي قاوم البدعة ودحرها، ونصر السنة وأظهرها، فأزال مذهب الشيعة الباطنية، وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة، وبالتالي انفصل عن الدولة الفاطمية بمصر، وكان ذلك في حدود سنة 404هـ، وقد توفي المعز لدين الله بن باديس في حدود سنة 454هـ.

من هذه النبذة القصيرة، تتضح لنا خصائص العائلة التي ينحدر منها ابن باديس، وعراقتها في ميادين الملك والعلم.

المبحث الثاني: نشأة ابن باديس وطلبه للعلم

أ- نشأته:

نشأ الإمام ابن باديس في أحضان تلك الأسرة العريقة في العلم والجاه، وكان والده بارًا به، فحرص على أن يربيه تربية إسلامية خاصة، فلم يُدخلْه المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة، بل أرسل به إلى الشيخ المقرئ محمد بن المدّاسي، فحفظ عليه القرآن وتجويده، وعمره لم يتجاوز الثالثة عشر سنة.. نشأ منذ صباه في رحاب القرآن، فشبّ على حبه، والتخلّق بأخلاقه.

ثم ما لبث أن وجهه إلى المربّي الكبير والعالم الجليل الشيخ حمدان الونيسي، فتلقى منه العلوم العربية والإسلامية ومكارم الأخلاق، وعليه واصل السماع والتلقي في قسنطينة، فنال إعجاب أساتذته بما أظهر من استقامة في الخُلُق، وطيبة في السيرة، وشَغَف كبير في طلب العلم.

ب- رحلاته في طلب العلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت