وعقوبتها بقوله سبحانه وتعالى:"ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون" [1] ، فحكمنا بقتل القاتل بالقصاص منه بمثل فعلته التي ارتكبها وازهاقنا روحه وبذلك نحي الأمة والمجتمع ونصون أرواح الناس.
وفي الحقيقة أن هناك بعض الجرائم التي لم يرد لها ذكر بالكتاب والسنة ولم تكن معروفة في عصر الصحابة والتابعين وسالف العصور، فلا حد فيها ولا قصاص وهذه جرائم لا تنتهي ولا يمكن حصرها وتتغير بتغير الزمان والمكان أحداثها وطريقة تنفيذها، فهل نقف منها موقف المتفرج لأنه لم يرد نص في الكتاب او السنة على عقاب لها فيفلت الجاني ويمعن في الأرض فسادا رغم ثبوت النهي عنها كما اسلفنا الأمر الذي دفع البعض باتهام نظام العقوبات في الشريعة بالتقصير والجمود، وتمادي البعض الى القول بأن هذه العقوبات لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، فالرجم والجلد والقصاص ومنع الزنا والخمر وتتنافى مع الحرية الشخصية وحقوق الإنسان، وفيها من الشدة والقسوة ما لا تطيقة النفس البشرية وقد نسي هؤلاء او تناسوا أن هذه الأحكام من لدن عزيز حميد، صالحة لكل زمان ومكان وكفيلة بإيجاد عقوبة رادعة تناسب تلك الجريمة فهي لا تنظر لشخص مرتكبها بل إلى عظم وخطر جريمته، فكل جريمة لا حد فيها ولا قصاص عليها ومثلها الجرائم التي سقط الحد فيها أو تعذر استيفاء القصاص لشبهة او تخلف ركن من أركانها فهذه الجرائم كثيرة ومتعددة وغير متناهية ولا مجال لحصرها وهي ما تسمى عند فقهاء الشريعة"بجرائم التعزير"وهي متعددة ومتشعبة ومتجددة ويصعب حصرها وتقنينها نتيجة للتطور الإجتماعي واتصال الحضارات فأصبح العالم قرية صغيرة فهناك على سبيل المثال لا الحصر جرائم الإنترنت وغسيل الأموال والجرائم الإقتصادية والإخلال بالسلامة العامة وإثارة الفتن وجرائم أمن الدولة وغير ذلك من الجرائم التي لم يرد نص من الكتاب أو السنة بتحديدها او تحديد عقوبتها فلا بد من عقوبة رادعة لها ولغيرها على ضوء الكتاب والسنة، ففيهما من النصوص المرنة والقواعد الكلية من السعة ما يسوغ لولي الأمر تقدير هذه الجرائم وما يناسبها من العقوبة على ضوء الكتاب والسنة فله بذلك سلطة موسعة (بعكس سلطته في الحدود والقصاص) ولكنها مقيدة بقواعد العدالة ومتناسبة مع الجريمة وعقوبتها بحيث يقدر ما يكفي للزجر فلا ينبغي ولا يشترط في العقاب ولا يجعل هواه مسيطرا عليه فيشق على رعيته.
ولعل من الحكمة البالغة أنه لم يفرض في العقوبات التعزيرية عقوبة معينة لكل جريمة معينة (كما هو الحال في جرائم الحدود القصاص) لأن التقييد في هذا المقام يمنع العقوبة أن تؤدي وظيفتها ويجعلها غير عادلة في كثير من الأحوال لإختلاف ظروف الجرائم والمجرمين، وحتى يطمئن الجميع وخاصة ضعاف النفوس والإيمان الذين يتهمون نظام العقوبات بعدم الصلاحية للتطبيق وخاصة في مجال العقوبات التعزيرية ليصلوا من خلال ذلك إلى إتهام الشريعة نفسها بعدم صلاحيتها هذه الأيام للتطبيق فننقل لهم ما قال به علماء القانون [2] الغربيون منذ زمن بعيد أن في نصوص الشريعة الإسلامية من مميزات وحلول لمشاكل الحياة، فأخذوا منها الشيء الكثير ثم اعترفوا بها كمصدر من مصادر القانون ويشهد بذلك ما جاء في المؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي انعقد في مدينة لاهاي في دورته الأولى عام (1932) وفي دورته الثانية أيضا عام (1937) ومؤتمر المحامين الذي انعقد بنفس المدينة عام (1947) بحضور ثلاث وخمسين دولة حيث أقروا واعترفوا بالإجماع وفي كل دورة بأن الشريعة الإسلامية تعد مصدرا من مصادر التشريع العام وانها حية وقابلة للتطور، وهي قائمة بذاتها وليست مأخوذة من غيرها، وكما قيل
(1) سورة البقرة 179.
(2) شلبي: محمد مصطفى: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي /9.