سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:-
إن حكم الصلاة خلف المبتدع من المسائل الدقيقة التي يختلف الحكم فيها باختلاف أحوال المبتدع، من حيث كفره ببدعته من عدمه، ومن حيث دعوته إليها من عدمها، كما يتأثر الحكم في المسألة بنوع الصلاة المقامة خلف المبتدع، كاختلاف الحكم في إقامة الجمع والأعياد وما هو في حكمها من الصلوات التي لا يمكن إقامتها إلا خلف إمام -، عن الصلوات الخمس، كما يختلف الحكم أيضًا بالنظر للمأموم، وهل يؤدي تركه للصلاة خلف المبتدع تفويت جمعة أو جماعة عليه أم لا؟ ولذا فإن دراسة هذه المسألة ينبغي أن تراعى فيها تلك الأحوال وغيرها من العوامل المؤثرة في تحقيق الحكم الصحيح فيها، وموقف السلف رحمهم الله منها، إذ إن تلك الأحوال كانت محل اعتبار السلف في فتاويهم واقوالهم على ما دلت عليه الآثار المنقولة عنهم في هذه المسألة.
وعلى ضوء ذلك ستكون دراستنا لهذه المسألة مفصلة إن شاء الله على حسب تلك الأحوال، بمختلف تعلقاتها، رغبة في تحقيق الحكم الشرعي الصحيح وموقف السلف الدقيق من كل جزئية من جزئيات هذه المسألة، ذلك لأن الصلاة خلف أهل البدع مما عمت به البلوى، خصوصًا في هذا العصر الذي انتشر فيه أهل البدع، و كثر اختلاط أهل السنة بهم في كل مكان، فاحتاج أهل السنة إلى معرفة الحكم الشرعي للصلاة خلفهم أكثر من أي وقت مضى.
وقد وقفت على كتاب قيم في هذا الباب للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي بعنوان: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، تحدث في فصل من فصول كتابه هذا عن حكم الصلاة خلف هؤلاء الأقوام .. فمن يملكه أو يستطيع أن يحصل عليه فقد وقف على كنز ثمين ..
وهاهو ذا تفصيل القول في المسألة:
فأقول: إن المبتدع لا يخلو حاله إما أن يكون محكومًا بكفره عندنا أو غير محكوم بكفره.
فإن كان محكومًا بكفره فلا تصح الصلاة خلفه لكفره باتفاق أهل السنة، سواء في ذلك أكان داعية لبدعته أم غير داعية. انظر: المغني لابن قدامة (3/ 32) والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي (1/ 370) .
وإنما خالف البعض في إعادة الصلاة لمن صلى خلفه وهو لا يعلم حاله فلم ير عليه إعادة، وبه قال أبو ثور والمزني، والذي عليه سائر الأئمة أن على ذلك المأموم إعادة تلك الصلاة لأنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة فلم تصح صلاته. انظر: المغني لابن قدامة (3/ 33) .
وبقطع النظر عن هذه المسألة الفرعية فالصلاة خلف المبتدع الكافر ببدعته غير صحيحة باتفاق الأئمة، وعلى ذلك يحمل نهيهم عن الصلاة خلف بعض من حكموا بكفرهم من فرق أهل البدع كالجهمية والقدرية والرافضة،