فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 3

يتناول الدرس مانسمعه كثيرًا من أن فلانًا قال كذا، وفلانًا فيه كذا، سواءً في الحكم على الأشخاص أو على الكتب، أو على الجماعات، أو على المجتمعات، أو على الأعمال والجهود. ونسمع أحكامًا متناقضة ومتباينة، فما هي أسباب ذلك، وما هي وسائل العلاج المقترحة؟ هذا ما تناوله الدرس بالتفصيل.

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، أما بعد: فنسمع كثيرًا أن فلانًا قال كذا، وفلانًا فيه كذا، سواءً في الحكم على الأشخاص أو على الكتب، أو على الجماعات، أو على المجتمعات، أو على الأعمال والجهود. نسمع أحكامًا متناقضة ومتباينة، بل نسمع من يقول: إن فلانًا يقول كذا وكذا، ويعتقد كذا وكذا، فيقول الرجل بأعلى صوته- و هو رجل مسلم، الأصل فيه العدالة والصدق-: إني لا أقول كذا، إني لا أعتقد كذا، إني براء من كذا، فيقال له: كذبت بل أنت تقول كذا، أو بعبارة أخرى: نحن أعلم منك بكلامك، وربما نحن أعلم منك بما في قلبك، ونحن أعلم منك بنيتك! إن هذا لسان حال الكثير من الناس الذين يحاكمون الآخرين إلى أفهامهم، ونظراتهم وقناعاتهم هم .. إنه مظهر من مظاهر سوء الفهم!

متى يكون سوء الفهم آفة؟

ليس غريبًا أن يسيء المرء الفهم، وهذا كثيرًا ما يحصل في حياتنا؛ فقد تسمع كلامًا من أحد الناس فتفهم منه خلاف ماكان يقصد. إن سوء الفهم أمر لا ينجو منه إنسان أيًّا كان؛ لأنه بشر؛ ولأن المتحدث قد لا يزن حديثه، أو قد يكون حديثه ملبسًا، أو مدعاة لسوء الفهم، فإما أن نطالب الجميع بالتخلي عن سوء الفهم، أو أن نحاكم الجميع عند سوء الفهم، ونرى أن الجميع يجب أن تصح أفهامهم بنسبة 100% فهذا مطلب غير معقول، فلا بد أن يقع المرء في الخطأ في الفهم، لكن متى يكون سوء الفهم آفة؟

في نظري أنه آفة حينما يكون قاعدة نحكم بها على الآخرين، من خلال فهمنا لكلماتهم، أو أقوالهم، أو أعمالهم، أو مواقفهم، فنحاكمهم إلى فهمنا، بل قد يتجاوز الأمر ذلك، فنقول: هو يريد كذا، ويظهر خلاف ما يريد، وغيرها من الكلمات التي تعبر عن أعمال قلبية، كأننا نملك وسيلة نستطيع بها أن نحكم ونطّلع على نوايا الآخرين.

إنه من حقك أن تخطئ في الفهم، وهذا شيء طبعي -وقد يكون بعض الناس عقله لا يؤدي به إلا إلى الفهم السقيم- لكن هذا شيء وأن تجعل فهمك قاعدة تحاكم الآخرين إليها شيء آخر.

فحين أنقل عن الآخرين؛ يجب أن أكون دقيقًا في النقل، فأقول: قال كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، وفهمت أنا أنه يقصد كذا، وأنه يريد كذا.

أسباب هذه الظاهرة:

أولًا: سوء النية: فقد يكون الرجل صاحب نية سيئة، فهو يسمع لفلان، ويقرأ لآخر ليس من أجل الفائدة، إنما يبحث عن مدخل، فهو إذًا سيئ النية ابتداءً. وسوء النية ليس بالضرورة إرادة حرب الإسلام والمسلمين؛ فالحسد والهوى والتنافس الحزبي صورة من صور سوء النية.

وكم واجه شيخ الإسلام ابن تيمية - وغيره من أئمة أهل السنة - كم واجهوا من مضايقات ومن تحميل كلامهم ما لا يحتملون، فيقال: خالف الإجماع في هذه القضية، وفعل كذا وكذا، لماذا؟ لأن عنده من كان يقرأ ليبحث عن الزلل، ودافعهم لذلك الحسد والبغي.

ثانيًا: سوء الظن: عندما يسيء الإنسان الظن بشخص أيًا كان، فلا بد أن يسيء الفهم تلقائيًا، فهو يقصد كذا أو يريد كذا وهذا لا يحتمل إلا هذا الشيء ... إلخ هذه القائمة. لماذا نحمل مقاصد الناس على المحمل السيئ؟ إن المنطق العقلي البحت ومنطق العدل المجرد مع الناس أيًا كانوا يجعلني أنظر إلى الكلام مجردًا عن كل الأوهام التي عندي، ثم أحاكم هذا الكلام إلى ما يقوله هو في مناسبة أخرى إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت