: السِّياسة شرع (1) مغلَّظة، ثمَّ قال: السِّياسة نوعان:
ظالمة: فالشريعة تحرمها.
وسياسة عادلة: تخرجُ الحقَّ من الظالم، وتدفعُ كثيرًا من المظالم، وتَرْدَعُ أهل الفساد، ويُتوصَّلُ بها إلى المقاصد الشرعية.
فالشريعةُ توجبُ المصير إليها والاعتماد عليها في إظهار الحقّ، وهو بابٌ واسعٌ تضلُّ فيها الأفهام، وتَزِلُّ فيها الأقدام، وإهماله يُضَيِّعُ الحقوق، ويُعطِّلُ الحدود، ويُجْزِئُ أهلَ الفساد، ويُعين أهل العناد.
والتوسُّعَ فيه يفتحُ أبوابَ المظالم الشنيعة، ويوجبُ سفكَ الدماء، وأخذَ الأموال بغير الشريعة؛ فلهذا سَلَكَ فيه:
طائفةٌ مسلكَ التفريطِ المذمومِ فقطعوا النظرَ عن هذا الباب إلاَّ فيما قلَّ ظنًَّا منهم أنّ تعاطي ذلك منافٍ للقواعد الشريعة، فسدُّوا من طُرُقِ الحقِّ سُبُلًا واضحةً، وعدلوا [إلى طريق من العناد فاضحة] (2) ، إذ في إنكار السِّياسة الشرعيّة ردٌّ للنصوصِ الشرعيّة، وتغليظٌ للخلفاء الراشدين.
وطائفةٌ سلكت في هذا الباب مسلكَ الإفراطِ فتعدُّوا حدودَ الله، وخرجُوا عن قانون الشرع إلى أنواع من: الظُّلْمِ، والبدعِ في السِّياسة، وتوهَّموا أنّ السِّياسة الشرعيّة قاصرة عن سياسة الخلقِ ومصلحة الأمّةِ، وهو جهلٌ وغلط فاحش، فقد قال عزَّ مِن قائل: {اليوم أكملت لكم دينكم } ، فدخلَ في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنيوية على وجه الكمال، وقال عليه الصلاة والسلام: (( تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلِّوا: كتاب الله وسنَّتي ) ).
(1) وقع في الأصل: شريعة، والمثبت من (( معين الحكام ) ) (ص169) ، و (( رد المحتار ) ) (4: 15) .
(2) وقع في الأصل: من الفساد إلى طرق واضحة، والمثبت من (( معين الأحكام ) ) (ص169) .