رَضِي الله عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْل الذِي أَخْبَرَنِي سَالمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا عَنْ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ (1)
(1) هذا الحديث سياق جيد، ولكن فيه إشكالات:
أولًا: قوله: (متمتع) النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتمتع بين العمرة والحج، ولم يحل، فكيف يُخرَّج هذا اللفظ؟ يمكن أن يُخرَّج بأن معنى تمتع بالعمرة إلى الحج أي ضم العمرة إلى الحج فصار قارنًا، هذا جواب.
فيه إشكال ثاني، قوله: (فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) هذا إشكال، فيه إشكال؛ لأن عائشة رضي الله عنها حين قسمت الناس إلى ثلاثة أقسام حين خرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بحج وعمرة، قالت: (وأهل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحج) وهذا صريح، وتقسيم واضح، والتقسيم يدل على حقيقة الواقع، ليس كسياق جاء غير مقسم، فإن التقسيم يعتبر تفصيلًا فيكون معارضًا لحديث ابن عمر؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر أنه أهل أولًا بعمرة، ثم أهل بالحج فيحتاج إلى جواب، عندك؟
تعليق فتح الباري ج: 3 ص: 539:
قوله: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة إلى الحج) قال المهلب: معناه أمر بذلك لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن ويقول: بل كان مفردًا ، وأما قوله: (وبدأ فأهل بالعمرة) فمعناه أمرهم بالتمتع.
الشيخ: هذا لاشك إنه صرف للكلام عن ظاهره.
متابعة التعليق: وهو أن يهلوا بالعمرة أولًا ويقدموها قبل الحج، قال: ولا بد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر قلت: لم يتبين هذا التأويل المتعسف، وقد قال بن المنير في الحاشية: إن حمل قوله تمتع على معنى أمر من أبعد التأويلات والاستشهاد عليه بقوله: (رجم) وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات؛ لأن الرجم من وظيفة الإمام والذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه.
الشيخ: الرجم يقصد بذلك رجم الزاني ما هو رمي الجمار؛ لأنه قال: رجم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماعزًا ، يعني أمر برجمه، والاستشهاد بهذا ليس بواضح.
متابعة التعليق: وأما أعمال الحج من إفراد و قران وتمتع فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه ثم أجاز تأويلًا أخر، وهو أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله لاسيما مع قوله: (( خذوا عني مناسككم ) )فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه عليه الصلاة والسلام تمتع فأطلق ذلك، قلت: ولم يتعين هذا أيضا بل يحتمل أن يكون معنى قوله: (تمتع) محمولًا على مدلوله اللغوي وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيرها بل قال النووي: إن هذا هو المتعين، قال: وقوله: (بالعمرة إلى الحج) أي بإدخال العمرة على الحج، وقد قدمنا في باب التمتع والقرآن تقرير هذا التأويل.
الشيخ: (بإدخال العمرة على الحج) يعني أحرم أولًا بحج ثم أحرم بعمرة، ولكن هذا يعكر عليه قوله في نفس الحديث (فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) ، فلا يستقيم.
متابعة التعليق: وقد قدمنا في باب التمتع والقرآن تقرير هذا التأويل وإنما المشكل هنا قوله: (بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) ؛ لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقر كما تقدم على أنه بدأ أولا بالحج ثم أدخل عليه العمرة وهذا بالعكس.
الشيخ: على كل حال يمكن أن يكون أهل أولًا بعمرة ثم أهل بالحج يعني عند الإهلال بدل أن يقول: لبيك حجًا وعمرة صار يقول: لبيك عمرة وحجًا ، فيبدأ بالعمرة في التلبية خاصة وليس في عقد النية، وما ذكره من انه أحرم أولًا بحج ثم أحرم بعمرة، هذا هو الذي يستقيم، ولكنه على قواعد مذهب الإمام أحمد لا يصح؛ لأنه يكون إذا أدخل العمرة على الحج لم تنعقد ولا يكون قارنًا، ولكن لو أدخل الحج على العمرة صح، ولكن ما دل عليه الحديث وهو مذهب الشافعي أصح أنه يجوز إدخال العمرة على الحج، كما يجوز إدخال الحج على العمرة.
القارئ: وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال أي لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما فقال: لبيك بعمرة وحجة معًا، وهذا مطابق لحديث أنس المتقدم، لكن قد أنكر بن عمر ذلك على أنس، فيحتمل أن يُحمل إنكار بن عمر عليه كونه أطلق أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما أي في ابتداء الأمر، ويعين هذا التأويل قوله في نفس الحديث: (وتمتع الناس) إلى آخره، فإن الذين تمتعوا إنما بدءوا بالحج لكن فسخوا حجهم إلي العمرة حتى حلوا بعد ذلك بمكة ثم حجوا من عامهم.
الشيخ: على كل حال لابد من التأويلات ، لابد من التأويل ليزول الإشكال، فنقول: إنه إذا كان هذا اللفظ محفوظًا (بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) فالمعنى المراد بذلك صفة الإهلال فقط، فيقول: لبيك عمرة وحجًا ، بدل أن يقول: لبيك حجًا وعمرة، وأما نفس العقد ، فالذي دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحرم بالحج، ثم قيل له: قل عمرة وحج، فقرن وعليه فيكون في ذلك دليل على مذهب الشافعي رحمه الله من جواز إدخال العمرة على الحج، وعليه فيكون للقران ثلاث صور:
الأول: أن يحرم بهما جميعًا، فيقول: لبيك عمرةً وحجًا.
الثاني: أن يحرم بالعمرة أولًا، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، كما فعلت عائشة رضي الله عنها.
الثالث: أن يحرم أولًا بالحج ثم يدخل العمرة على الحج، فيكون قارنًا.
سؤال: عفا الله عنك، هل مفاهيم، مفاهيم أهل العلم تختلف يا شيخ؟ هل هو اختلاف كثير من يتبعها تصير عنده بعض الأفكار، إذا كان يا شيخ عرفنا النص، وعرفنا ما ذهبوا إليه رحمهم الله.
الجواب: صحيح، نتبع للموافقين للنص، ونعتذر عن المخالفين للنص؛ لأن هذا منتهى علمهم ومنتهى فهمهم ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
سؤال: مثل الاعتراضات يا شيخ، مثل إذا اختلفوا في شيء، ما الذي نرجحه؟
الجواب: نرجح الأقرب للأدلة.
نعود للشرح:
وفيه هنا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير لمن أحلوا بالعمرة، مع أن الحلق أفضل، فيُقال: إنما أمر بالتقصير ليكونوا في وقت الحج ، فهم ليس بينهم وبين الحج إلا أربعة أيام، ولو حلقوا ما بقي للحج شيء ، فأمر بالتقصير ليتوفر الشعر للحلق في الحج.
سؤال: يا شيخ بارك الله فيك، ابن عمر سمى القران تمتعًا ، بعضهم استدل بهذا على أن إيجاب الهدي على القارن بالنص، أن قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ تشمل القرآن والتمتع، ما يكون بالقياس؟
الجواب: له وجه ، ولكن عبارات الصحابة أو ألفاظ الصحابة في صفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختلفة بعضهم يقول: تمتع، وبعضهم يقول: قارن، وبعضهم يقول: أفرد، وما دامت المسألة فيها احتمال أن هذا من تصرف الرواة الصحابة أو من دونهم يكون في ضيق .
سؤال: أحسن الله إليك يا شيخ، الصورة الثالثة التي ذكرناها إنه يُهل بالحج أولًا ثم يدخل العمرة عليهن هي نفس الصورة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب: إي نعم، هي نفس الصورة.
نعود للشرح:
وفي حديث ابن عمر دليل صريح على أن التحلل نوعان: كامل وناقص، ولكن بماذا يكون التحلل الأول؟ الصحيح أنه يكون بالرمي والحلق، ولكن من ساق الهدي فالظاهر أنه لابد أن ينحر لقول النبي:- صلى الله عليه وسلم - (( فلا أحل حتى أنحر ) )، ولو قلنا: هذا خاص بالذي ساق الهدي، وغيره يحل بالرمي والحلق، وقال بعض أهل العلم: إنه يحل بالرمي وإن لم يحلق، أيهما أفضل؟ الأول إنه لا يحصل إلا لمن رمي وحلق، تقولون: إنه الأحوط، وأنا أقول: ليس هذا على إطلاقه، قد يكون الأحوط أن نقول: إنه يحل بالرمي فيما لو جامع الإنسان بين الرمي والحلق، إن قلنا: إنه حل التحلل الأول بالرمي لم يفسد النسك، ولم يلزمه بدنة ولا إعادة النسك؛ لأن الجماع صار بعد التحلل الأول، وإن قلنا: لا يمكن التحلل الأول إلا بالحلق مع الرمي فقد فسد نسك هذا الرجل ولزمه المضي فيه وقضاءه وبدنة.
سؤال: هل صحيح ما قاله البعض، يقول: إني سمعت الشيخ ابن عثيمين أفتى بأن الذي فوق بيته دش حرام عليه الجنة؟
الجواب: لا...قلنا إن الإنسان الذي يموت وهو الذي جاب الدش لأهله هو غاش لهم أو ناصح؟ طيب في الحديث (( ما من عبد استرعاه على راعية يموت يوم يموت وهو غاش لراعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) )هذا على سبيل العموم ، أما الشخص المعين فلا، ما نقول: هذا الرجل حرمه الله على الجنة، ففرق بين العموم وبين التخصيص.
سؤال: الذي عليه هدي تمتع هل يتحلل قبل أن يذبحه؟
الجواب: أي نعم، ما دام لم يسق الهدي يتحلل.
سؤال: يا شيخ، معلوم أن إي شعر ولو كان قصيرًا، يجزئ عن النسك بالحلق، التحلل بالحلق يعني، فالآن المتمتع إذا جاء بالعمرة في أشهر الحج خصوصًا إذا كان بين هذه العمرة وبين شهره فترة شهر مثلًا، فألا نقول له إن الأفضل الحلق؟
الجواب: إذا أمكن فيحلق.
السائل: كذلك أشكل عليَّ يا شيخ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالحلق وفي فترة أربعة أيام سينشأ شعر يعني؟
الجواب: لا..ما ينشأ شعر، أربعة أيام ما فيه شعر ولا يسود الرأس؛ لأنه لو بعض أن بعض الناس نمو شعره سريع ما يمكن أن يحمم رأسه.
سؤال: هل الأحوط إنه يتحلل بالرمي أو بالرمي والحلق؟
الجواب: تكلمنا إنه يتحلل بالرمي والحلق، ولكن سألتكم أيهما أحوط؟ قد يقول بعض الناس: الأحوط أن لا يحل حتى يرمي ويحلق، ولكن كما ذكرنا لكم إنه قد يُعارض هذا فيما لو حصل الجماع بين الرمي والحلق، إلا إن هذا الرمي غير معتبر ، والصحيح إنه لا يحل إلا بالرمي والحلق.