فهرس الكتاب
6ـ ولعل انس ذكر ذلك بسبب موقف قومه من الخلافة ومحاولة منازعتهم للمهاجرين في بداية الأمر ولعل الذي يؤكد ذلك ما رواه أنس عن أسيد بن حضير، أن رجلًا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال (( إنكم ستلقون بعدي أثرة. فاصبروا حتي تلقوني على الحوض ) ) (5) خصوصًا إذا عرفنا أن ( الأثرة ) هي: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا (6) .
7ـ أما بالنسبة لقول الصحابي البراء بن عازب ( إنك لا تدري ما أحدثنا بعده ) فهو ( يشير إلى ما وقع لهم من الحروب وغيرها فخاف غائلة ذلك، وذلك من كمال فضله ) (7) ومن المعلوم أن عليا بن أبي طالب كان أحد المشاركين في هذه الحروب فلا بد أن يشمله الخطاب على حد فهم التيجاني فيكون ممن أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الحق الذي يجب أن يقال أن هذين الحديثين لا يمكن أن يردّا مجموع الأدلة القرآنية والحديثية في مدح الصحابة والرضا عنهم من الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ووقوعهم في الأخطاء لا ينفي فضلهم وطهارتهم الظاهرية والباطنية فاحتجاج التيجاني بمثل هذه الأقوال على الطعن في عموم الصحابة مثله كمثل من يصد صاروخًا بترس؟!
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} ، والرد عليه.
قال الرافضي ص112: «المثال الأول على ذلك هو آية
محمد رسول الله يقول تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا} . (1)
قال بعد ذلك: «.. فكلمة (منهم) التي ذكرها الله تعالى دلت على التبعيض وأوحت أن البعض من هؤلاء لاتشملهم مغفرة الله ورضوانه، ودلت أيضًا على أن البعض من الصحابة انتفت منهم صفة الإيمان والعمل الصالح، فهذه الآيات المادحة والقادحة في آن واحد فهي بينما تمدح نخبة من الصحابة تقدح في آخرين» .
قلت: تضمنت هذه الآية الكريمة أبلغ الثناء والمدح من الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه لهم بتلك الصفات العظيمة، الدالة على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفتح آية 29.
علو قدرهم في الدين، ورسوخ قدمهم في الإيمان والعمل الصالح، وأما
ما ادعاه هذا الرافضي أن (منهم) في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم...} (1) للتبعيض وأنها تدل على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعضهم، فهذا من فرط جهله، وجرأته على الله، وكذبه عليه بما لا تحتمله الآية ولا يستند لقول أحد من أهل العلم في تفسيرها.
والذي عليه المفسرون وأهل العلم أن (من) في الآيه لبيان الجنس فيكون المعنى: (وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس) وهم
الصحابة.
قال القرطبي: «وليست من في قوله: (منهم) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة مثل قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} (2) لايقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فأدخل (من) يفيد بها الجنس وكذا (منهم) أي: من هذا الجنس، يعني: جنس
الصحابة، ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم أي: اجعل نفقتك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفتح آية 29.
(2) سورة الحج آية 30.
هذا الجنس». (1)
وكذا قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «من هذه لبيان الجنس» . (2)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: «فإن قيل لم قال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} (3) ولم يقل: وعدهم كلهم؟
قيل: كما قال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات (4) ولم يقل: وعدكم و (من) تكون لبيان الجنس، فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس، كما في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} (5) فإنه لا يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس.
وإذا قلت: ثوب من حرير فهو كقولك: ثوب حرير، وكذلك قولك: باب من حديد كقولك: باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجامع لأحكام القرآن 16/282.
(2) تفسير ابن كثير 4/205.
(3) سورة الفتح آية 29.
(4) سورة النور آية 55.
(5) سورة الحج آية 30.