الصفحة 131 من 678

ولعل المؤلف ظن أن مروان بن الحكم من الصحابة، بل هو الظاهر من كلامه، لقوله بعد القصة: «وقد بحثت كثيرًا عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم » ، فيكون هذا من جملة جهالاته التي سبق التنبيه على أمثلة كثيرة منها. (1) (1) انظر ص154-162 من هذا الكتاب.

والصحيح أن مروان لا تثبت له صحبة، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير ابن ثمان سنين، وقد كان في الطائف مع أبيه، بعد نفي النبي صلى الله عليه وسلم له. (1)

قال ابن الأثير: «لم ير النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لايعقل لما نفي النبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم» . (2)

وعده الذهبي في السير من كبار التابعين. (3)

وقال ابن حجر: «لم أر من جزم بصحبته» . (3)

وعلى هذا فلا يُحَمّل الصحابة فعل مروان، فكيف وقد أنكره من حضره من الصحابة وهو أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

على أن تقديم مروان للخطبة على صلاة العيد، وإن كان خطأً إلا أن العلماء ذكروا أنه إنما فعله مجتهدًا.

قال ابن حجر في شرح الحديث بعد قول مروان: (إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة) : «وهذا يشعر بأن مروان فعل ذلك

(1) انظر: الإستيعاب لابن عبدالبر المطبوع مع الإصابة 10/70، والإصابة لابن حجر 9/318.

(2) أسد الغابة 5/139.

(3) انظر: سير أعلام النبلاء 3/476.

(4) الإصابة 9/318

باجتهاد منه». (1)

ونقل عن ابن المنير أنه قال: «حمل أبو سعيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغير حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة0 وهو سماع الخطبة- أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها» . (2)

وأما قول المؤلف: إن الأمويين وأغلبهم من الصحابة، وعلى رأسهم معاوية كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي ولعنه من فوق منابر المساجد، فكلامه هذا يتضمن أمرين:

الأول: قوله إن الأمويين أغلبهم من الصحابة، فإن كان يعني من تولى الخلافة من بني أمية في عهد الدولة الأموية -وهو الظاهر- فمن من خلفاء بني أمية من الصحابة غير معاوية حتى يقال: -إن أغلبهم من الصحابة ؟؟- -وهذا باستثناء عثمان - رضي الله عنه - فإن خلافته كانت في عهد الخلفاء الراشدين كما هو معلوم- وأنا لا أعلم هل هذا من تلبيس المؤلف على العوام وأهل الجهل، أم أنه الجهل المفرط ؟!

الثاني: قوله إن معاوية كان يحمل الناس على سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري 2/450.

(2) المصدر نفسه.

صحة النقل. والمؤلف لم يوثق كلامه هذا، وإنما اكتفى بقوله: (كما ذكر ذلك المؤرخون) ولم يحل على أي مصدر لذلك، ومعلوم وزن مثل هذه الدعوى عند المحققين والباحثين، فكيف بها وقد صدرت من رافضي حاقد.

ومعاوية - رضي الله عنه - منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، فقد كان كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ، وثبت في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث عبدالرحمن بن عميره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية: (اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به) . (2)

وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة وامتدحه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث أعطنيهن، قال: نعم... وفيه: (معاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: نعم...) صحيح مسلم 4/1945.

قال ابن عساكر: «وأصح ما روى في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم» . نقله ابن كثير في البداية والنهاية 8/125.

(2) أخرجه الترمذي: (كتاب المناقب، باب مناقب لمعاوية - رضي الله عنه -) 5/687، وقال هذا حديث حسن غريب، وصحح الحديث الألباني قال في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/615: «رجاله كلهم ثقات رجال مسلم فكان حقه أن يصحح..» .

وقال: «وبالجملة فالحديث صحيح» .

خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير.

فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لما ولاّه الشام: (لا تذكروا معاوية إلا بخير) . (1)

وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال بعد رجوعه من صفين: (أيها الناس لاتكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل) . (2)

وعن ابن عمر أنه قال: (ما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود(3) من معاوية فقيل ولا أبوك؟ قال: أبي عمر -رحمه الله- خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه). (4)

وعن ابن عباس قال: (ما رأيت رجلًا كان أخلق بالملك من معاوية) . (5)

وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس: (هل لك في أمير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت