الصفحة 153 من 678

الوجه الثاني: أن الطعن في عمر بهذا قدح في النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوصى الأمة باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، وقد كان عمر منهم، وذلك في قوله كما في حديث العرباض بن سارية (... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) . (1)

وكذلك أمره بالاقتداء بأبي بكر وعمر كما في حديث حذيفة

-رضي الله عنه - أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) . (2)

فاذا كان عمر على ما يدعي الرافضي من العمل بالرأي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم تخريجه ص560.

(2) تقدم تخريجه ص 560.

واطراح السنة، وأنه أول من غير وبدل، لزم من هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غاشًا لأمته غير ناصح لها بأمره باتباع سنة عمر والاقتداء به،

ولا يمكن للخصم أن يدعي أن ذلك التغيير من عمر حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن معلومًا له عند النطق بتلك الأحاديث وذلك لسببين.

الأول: أن الرافضي ذكر في كلامه أن معارضة عمر للسنة كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وزعم أنه عارض النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة.

الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشرع من عند نفسه، وإنما هو مبلغ عن ربه {وما ينطق عن الهوى % إن هو إلا وحي يوحى} (1) ، فلو كان حال عمر خفي على النبي صلى الله عليه وسلم ، أفكان يخفى على رب العالمين!! فلما جاء الأمر بالاقتداء بعمر ممن لا ينطق عن الهوى، علمنا أن عمر كان على الحق والهدى، على رغم أنف هذا الرافضي الحاقد.

الوجه الثالث: أن عمر - رضي الله عنه - شهد له الصحابة الذين لا يخافون في الله لومة لائم، أنه كان يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أبو بكر في خلافته، فقد روى ابن أبي شيبة في خبر مقتل عمر وفيه أن الصحابة اجتمعوا إلى عمر بعد طعنه فقالوا له:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النجم 3-4.

(جزاك الله خيرًا قد كنت تعمل فينا بكتاب الله، وتتبع سنة صاحبيك لا تعدل عنها إلى غيرها، جزاك الله أحسن الجزاء...) . (1)

ولهذا كان علي بن أبي طالب يغبطه على ما كان عليه من الخير وتمنى لو لقي الله بمثل عمله كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (وضع عمر على سريره فتكنّفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إليّ أن ألقي الله بمثل عمله منك، وأيم الله إنْ كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) . (2)

وقد كان ابن عباس -رضي الله عنهما- إن لم يجد للمسألة حكمًا في الكتاب أو السنة أفتى بقول أبي بكر وعمر، على ما روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن أبي زيد قال: (كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنف لابن أبي شيبة 7/440.

(2) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب) ، فتح الباري 7/41، ح3685، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر) 4/1859، ح2389.

القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه). (1)

ففي هذه النقول عن الصحابة المتضمنة حسن الثناء على عمر، ورسوخ قدمه في الدين، وعظم شأنه في العلم والعمل بالسنة، أكبر دليل على دحض دعوى الرافضي الجائرة، كما أن في موقف علي من عمر على وجه الخصوص إلزامًا لهذا الرافضي بقول من يعتقد إمامته ويدعي عصمته. فإذا كان عمر على ما يعتقد فيه هذا الرافضي من القول بالرأي، وترك السنة، فلِمَ يتمنى علي - رضي الله عنه - أن يلقى الله بمثل عمله ولِمَ يفتى ابن عباس وهو الإمام الجليل من أئمة أهل البيت بقوله أم أن عليًا وابن عباس كانا ضالين في هذا !!

الوجه الرابع: أن الثابت من سيرة عمر - رضي الله عنه - وأقواله المأثورة عنه، يدل على بطلان دعوى الرافضي، فقد كان - رضي الله عنه - من أشد الناس تمسكًا بالنصوص، والوقوف عندها، وأقواله في ذلك مشهورة:

فمن ذلك ما أخرجه الدارمي والآجري وغيرهما بسند صحيح عنه أنه قال: (سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارمي 1/71.

بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله). (1)

وقد أورد الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين فصلًا خاصًا في المنقول عن عمر - رضي الله عنه - في التحذير من الرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت