الصفحة 156 من 678

ولما ولي الإمام علي أمور المسلمين وجد صعوبة كبيرة، في إرجاع الناس إلى السنة النبوية الشريفة وحظيرة القرآن، وحاول جهده أن يزيل البدع التي أُدخلت في الدين، ولكن بعضهم صاح واسنة عمراه...».

قلت: تقدم الرد عليه مفصلًا في مسألتي: (كتابة الكتاب) و (دعوى النص على خلافة علي يوم الغدير) بما اظهر الله به زيغه وضلاله. (1) وإنما أشير هنا لتناقضه في مسألة النص على الخلافة فهاهنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 276 ومابعدها و ص 463 ومابعدها.

أن عمر لم يقبل النص على الوصية -المزعومة لعلي- يوم الغدير، ورفض ذلك النص ورده، بينما نجده في موضع آخر من هذا الكتاب يقول ما نصه: «والباحث في هذا الموضوع إذا تجرد للحقيقة، فإنه سيجد النص على علي بن أبي طالب واضحًا جليًا كقوله صلى الله عليه وسلم: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) قال ذلك بعدما انصرف من حجة الوداع، فعقد لعلي موكب للتهنئة، حتى إن أبا بكر نفسه وعمر، كانا من جماعة المهنئين للإمام يقولون: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» . (1)

قلت: ما أقصر حبال الكذب!! وقديمًا قالوا: (ومن آفة الكذاب نسيان كذبه) .

وقال أبو حاتم: (إن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيًا، فإذا كان كذلك كان كالمنادي على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة) .

وقال نصر بن علي الجهضمي: (إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان) . (2)

وهذا الرافضي لما اتخذ الكذب مطية له في تقرير معتقده الفاسد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثم اهتديت ص161.

(2) أورد هذه الأقوال ابن حبان في روضة العقلاء ص52-53.

وقع في هذا، وأظهر الله أمره، وكشف ستره، فبينما هو يقرر في

سياق حديثه عن النص على الوصية المزعومة لعلي: إن الصحابة عقدوا لعلي يوم الغدير موكبًا مشهودًا للتهنئة بالوصية، وكان في مقدمة المهنئين المبارِكِين: أبو بكر وعمر، اللذان كانا يرددان عبارة (بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة) نجده بعد هذا بصفحات ينسى هذا كله، فيقرر أن هؤلاء الصحابة لم يقبلوا يوم الغدير، ولا في يوم من الأيام النص على علي بالخلافة، بل وقفوا من ذلك موقف المعارض المعاند، وفي مقدمة هؤلاء عمر بن الخطاب، فلعنة الله على الكذابين الظالمين.

وأما قوله: إن عليًا وجد صعوبة كبيرة في إرجاع الناس إلى السنة... الخ كلامه.

فكلام باطل من أصله: فإن البدع لم تظهر في عهد الشيخين، بل كان الناس طيلة عهدهما على السنة، لم يعرفوا البدع، ولم تعرف البدع إليهم طريقًا، وكان أمر الدين فيهم ظاهرًا وقويًا، والسنة عزيزة مشهورة. وكذلك عهد عثمان - رضي الله عنه - فإنه وإن بدأت بوادر البدع تظهر في آخره، إلا أنه لم يعرف في الناس بدعة ظاهرة، بل كانت السنة هي السائدة، والخير هو المنتشر، وأهل الإسلام في عز واجتماع، وأهل الشر في ذل وصغار، وأما عهد علي - رضي الله عنه - فقد كثرت فيه الفتن، وظهرت فيه البدع، حيث خرج الخوارج، وفشى التشيع، وافترقت الأمة، وسفكت فيه الدماء المسلمة المؤمنة، فضعف بذلك أهل الخير، وقوي أهل الشر وتسلطوا على الناس، حتى إن عليًا

-رضي الله عنه - كان يقول في قتلة عثمان: (القوم يملكوننا ولا نملكهم) (1) وهذا أمر يعلمه كل من له أدنى اطلاع على التأريخ ولا ينكره أحد من المسلمين، لا من أهل السنة، ولا من أهل البدع، لكن مع التجرد والإنصاف.

وأما عند غلبة الهوى، وتمكن الجهل، فتختلف المقاييس، وتنعكس المفاهيم، وتتغير الحقائق، كما هو حال هذا الرجل، فإنه يتخبط في الأمر تخبطًا عجيبًا، فنراه أحيانًا يقرر أن عليًا - رضي الله عنه - عندما تولى أمر الأمة قد طبق السنة، ونبذ البدع، يقول في كتابه الشيعة هم أهل السنة: «أضف إلى ذلك أن الإمام عليًا عندما تولى الخلافة بادر بإرجاع الناس إلى السنة النبوية، وأول شيء فعله هو توزيع بيت المال» . (2)

ويقول مؤكدًا هذا في موضع آخر من الكتاب نفسه: «ومع ذلك فإن أمير المؤمنين عليًا لم يجبر الناس على البيعة بالقوة والإكراه، كما فعل الخلفاء من قبله، ولكن تقيد -سلام الله عليه- بأحكام القرآن والسنة، ولم يغير ولم يبدل أبدًا....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقد تخريجه ص 241.

(2) الشيعة هم أهل السنة ص189.

إلى قوله: هنيئًا لك يا ابن أبي طالب، يامن أحييت القرآن والسنة، بعدما أماتها غيرك». (1)

فهذا ما قرره المؤلف هنا لكنه في موضع آخر ينقض كلامه هذا رأسًا على عقب.

فيقول في الكتاب نفسه: «وإذا كان علي بن أبي طالب - تعالى - هو المعارض الوحيد، الذي حاول بكل جهوده في أيام خلافته إرجاع الناس للسنة النبوية: بأقواله، وأفعاله، وقضائه، ولكن بدون جدوى لأنهم شغلوه بالحروب الطاحنة» . (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت