فهرس الكتاب
رابعًا: ومن الطبيعي بعد ذلك كله أن يكونوا خير القرون، وأمانًا لهذه الأمة. ومن ثم يكون اقتداء الأمة بهم واجبًا، بل هو الطريق الوحيد إلى الجنة: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) ) (رواه أحمد 4/126، 127 وأصحاب السنن والدارمي. والحديث صححه جماعة من المحدثين -انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث(38) ص 387، دار الفرقان ط. الأولى 1411هـ وانظر الإرواء (2544) 107/8 للتوسع).
منزلة الصحابة لا يعادلها شيء
تعظيم الصحابة ومعرفة قدرهم أمر مقرر عند كبارهم ، ولو كان اجتماع الرجل به - صلى الله عليه وسلم - قليلا ، وضي الله عنهم .
قال الحافظ بن حجر ذاكرا ما يدل على ذلك: (( فمن ذلك ما قرأت في كتاب"أخبار الخوارج"تأليف محمد بن قدامة المروزي - ثم ذكر سنده - إلى أن قال: عن نبيج العنزي عن ابي سعيد الخدري ، قال: كنا عنده وهو متكئ ، فذكرنا عليا ومعاوية ، فتناول رجل معاوية ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسا ، فذكر قصته حينما كان في رفقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ابو بكر ورجل من الاعراب - إلى ان قال أبو سعيد -: ثم رأيت ذلك البدوي اتي به عمر بن الخطاب وقد هجا الانصار . فقال لهم عمر: لولا ان له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما ادري ما نال فيها لكفيتكموه( رواه أحمد 3 / 51 دون كلام عمر ، ورواه بلفظه علي بن الجعد 2 / 956 ، قال الهيثمي 4 / 92: رجاله ثقات ، وعزاه ابن حجر ليعقوب بن شيبة كما في إسناده عنه ، وعزاه شيخ الإسلام لابي ذر الهروي الصارم المسلول 590 ) قال الحافظ: ورجاله ثقات .
فقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته ، فضلا عن معاقبته، لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك ابين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدلها شيء.
حدثنا وكيع ، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى } قال: هم اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . ( الآية في النحل 59 ، والاثر عند الطبري 20 / 3 ط دار المعرفة ، وانظر ابن كثير 3 / 369 ط المعرفة ) . )) .انتهى من الإصابة . ( 1 / 20 - 22 )
فهذا الاصطفاء والاختيار أمر لا يتصور ولا يدرك ولا يقاس بعقل ، ومن ثم لا مجال لمفاضلتهم مع غيرهم مهما بلغت اعمالهم .
قال ابن عمر: (( لا تسبوا اصحاب محمد ، فلمقام احدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة ) ). ( رواه أحمد في فضائل الصحابة 1 / 57 ، ابن ماجة 1 / 31 ، وابن أبي عاصم 2 / 484 ، والخبر صححه البويصيري في زوائد ابن ماجة 1 / 24 ، والمطالب العلية 4 / 146 ، وحسنه الالباني في صحيح ابن ماجة 1 / 32 ) .
وفي رواية وكيع: (( خير من عبادة احدكم عمره ) ).
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل ، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما من اتفق له الذب عنه ، والسبق إليه بالهجرة ، أو النصرة ، أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده ، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده ، لأنه ما من خصلة إلا وللذي سبق بها مثل اجر من عمل بها من بعده ، فظهر فضلهم . ( فتح الباري 7 / 7 ) .
قال النووي: (( وفضيلة الصحبة - ولو لحظة - لا يوازيها عمل ، ولا تنال درجتها بشيء ، والفضائل لا تؤخذ بالقياس ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) ). ( شرح أصول اعتقاد أهل السنة للاكائي 1 / 160 ) .
ايضا التزكية الداخلية لهم من الله عز وجل ، العليم بذات الصدور ، مثل قوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } ، وقبول توبتهم { لقد تاب الله عن النبي والمهاجرين والأنصار} ، ورضاه عنهم { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } . . . ألخ ، كل ذلك اختصوا به ، فانى لمن بعدهم مثل هذه التزكيات ؟
لكن قد يقول قائل: لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت ( من أشهر من قال ذلك الإمام ابن عبد البر ، والاستدلال المذكور هو من أقوى استدلالاته ، والجمهور على خلافه كما ذكرنا ) ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابي ثعلبة: (( تاتي ايام للعامل فيهن أجر خمسين ) ). قيل منهم أو منا يا رسول الله؟. قال: (( بل منكم ) ). ( رواه أبو داوود 4341 ، والترمذي 2 / 177 ، وابن ماجة 4014 ، وابن حبان 1850 ، قال الترمذي: حديث حسن غريب ، صححه الالباني بشواهده -الصحيحة 494 ) .
وكذلك ما روى ابو جمعة رضي الله عنه ، قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا ؟ اسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ . قال: (( قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ) ). ( رواه أحمد والدارمي 4 / 106 ، والطبراني 4 / 22-23 ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي 4 / 85 ، قال ابن حجر: إسناده حسن - الفتح 7 / 6 . انظر الفتح الرباني 1 / 103 -104 ) .
وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث والأحاديث السابقة من عدة وجوه ، أهمها: