فهرس الكتاب
وفي رواية عند ابن كثير: (( فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية ) ). ( البداية والنهاية 8 / 132 ، وانظر كلاما لإمام الحرمين وتعليقا للتباني عليه - إتحاف ذوي النجابة ص 152 ) .
وأيضا فجمهور الصحابة وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة .
قال عبد الله بن الإمام أحمد: (( حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن علية ،حدثنا ايوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين ) ).
قال ابن تيمية: (( وهذا الإسناد من اصح إسناد على وجه الأرض ، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته ، ومراسيله من أصح المراسيل ) ). ( منهاج السنة 6 / 236 ) .
فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة ، لتكون لمنطلقا لهم ، لا أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الأخبارين ، ثم يؤولوا النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة .
خامسا: ما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة - مع اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى ، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه ، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه ، بل إن البعض لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال ، وإليك بعض من هذه النصوص:
هذه عائشة أم المؤمنين ، تقول فيما يروي الزهري عنها: (( إنما أريد أن يحجر بين الناس مكاني ، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ، ولو علمت ذلك لم اقف ذلك الموقف أبدا ) ). ( مغازي الزهري ) .
وكانت إذا قرأت { وقرن في بيوتكن } تبكي حتى يبتل خمارها . ( سير أعلام النبلاء 2 / 177 ) .
وهذا امير المؤمنين علي بن أبي طالب ، يقول عنه الشعبي: (( لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا ، جعل يمسح التراب عن وجهه ، ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . . ثم قال: إلى الله أشكو عجزي وبجري . - أي همومي وأحزاني -وبكى عليه هو واصحابه ، وقال: ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ) ). ( أسد الغابة لابن الأثير 3 / 88 - 89 ) .
وكان يقول ليالي صفين: (( لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك - وهما ممن اعتزل الفتنة - إن كان برا إن أجره لعظيم ، وإن كان إثما إن خطره ليسير ) ). ( منهاج السنة 6 / 209 ) .
فهذا قول أمير المؤمنين ، رغم قول أهل السنة أن عليا ومن معه أقرب إلى الحق . ( فتح الباري 12 / 67 ) .
وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه - وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - يقول: (( إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها ) )، فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟! قال: (( ويحك ، إنا نبصر ولا نبصر ، ماكان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه ، غير هذا الأمر ، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ) ). ( فتح الباري 12 / 67 ) .
وهذا معاوية رضي الله عنه ، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب ، جلس وهو يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون ، وجعل يبكي . فقالت امرأته: أنت بالأمس تقاتله ، واليوم تبكيه ؟! . فقال: ويحك ، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره ) ). وفي رواية (( ويحك ، أنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ) ). ( البداية والنهاية 8 / 15 - 133 ) .
وبعد هذه المنقولات كلها ، كيف يلامون بأمور كانت متشابهة عليهم ، فاجتهدوا ، فاصاب بعضهم وأخطأ الأخرون ، وجميعهم بين أجر وأجرين ، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى .
وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبهم ، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال البلاء بالعبد ، حتى يسير في الأرض وليس عليه خطيئة ) ). ( رواه الترمذي 2398 وقال حسن صحيح ، وحسنه ابن حبان والحاكم وسكت عنه الذهبي 1 / 41 ، وحسنه الالباني - المشكاة 1 / 492 من حديث سعد ، وصححه في الصحيحة 144 ، وانظر شواهده 143 145 ، وراجع الفتح 10 / 111 - 112 ) .
وعلى أقل الاحوال ، لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبا محققا ، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة ، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم ، والمصائب المكفرة ، والاستغفار ، والتوبة التي يبدل بها الله عز وجل السيئات حسنات ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . ( للتوسع راجع منهاج السنة6 / 205 فقد ذكر عشر أسباب مكفرة ) .