الصفحة 181 من 678

و قد اختلف العلماء في المدة التي يقال فيها طالت صحبته ، فمنهم من حددها بسنة فأكثر ، وعليه ابن المسيب ، كما نقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول ( ص 70) ، وابن الهمام في التحرير (3/66) و الآلوسي في أجوبته العراقية (ص 9) وغيرهم .

و منهم من حددها بستة أشهر فأكثر ، كما نقله عن بعض العلماء صاحب التيسير (3/66) و الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 70) والآلوسي في الأجوبة العراقية ( ص 9) و غيرهم .

و قد رد على هذين القولين بما ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) حيث قال: ولا وجه لهذين القولين ، لاستلزامهما خروج جماعة من الصحابة الذين رووا عنه ولم يبقوا لديه إلا دون ذلك ، و أيضًا لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع .

ومنهم من رأى أنها لا تحدد بمقدار ، وإنما هي تطول بحيث يطلق عليها اسم الصحبة عرفًا .

و هذا هو القول الراجح والأصح عندهم ، وإليه ذهب الجمهور منهم .

و قولهم: على سبيل التبع له والأخذ عنه:- هذا قيد إنما جيء به في الحقيقة لبيان الواقع ، لأن من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم عرفًا لا يكون إلا على سبيل المتابعة له والأخذ عنه ، ولا يصح أن يكون قيدًا له مفهوم ، إذ لا نعلم أن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن متابعًا له ، آخذًا عنه .

و قولهم: وإن لم يرو عنه شيئًا:- اختلف جمهور أهل الفقه والأصول في ذلك ، فمنهم من يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل: الشوكاني في إرشاد الفحول (ص70) والسيوطي في تدريب الراوي (2/112) وغيرهم .

ومنهم من ذهب إلى أنه لا يشترط لثبوت الصحبة ثبوت الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل: القاضي أبي يعلى الفراء في العدة (ص3/989) والآمدي في الإحكام (1/275) و السبكي في جمع الجوامع (2/179) و غيرهم .

والقول الراجح هو القول الثاني ؛ لأن القول باشتراط الرواية لتحقق مفهوم الصحبة يؤدي إلى خروج كثير من الصحابة الذين لم تحفظ لهم رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اتفاق العلماء الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم . و قد تقدمت الأمثلة على ذلك في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .

ومن خلال ما ذكرت نستطيع أن نقول الآن بأن التعريف الراجح للصحابي هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين ، و ذلك لسلامة أدلتهم و خلوها من الانتقاد . والله أعلم .

طريق إثبات الصحبة للرسول صلى الله عليه وسلم ..

نقول وبالله التوفيق: هناك طريقتين لإثبات الصحبة:-

الطريقة الأولى: إثبات الصحبة بالنص - أي بالخبر - و تحته أنواع:-

1-القرآن الكريم: و ذلك مثل قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} التوبة/40

.فهذا النص يثبت صحبة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، حيث استقر الإجماع بأن المعني بالصاحب في هذه الآية هو أبو بكر رضي الله عنه . تفسير الرازي (16/65) .

2 -الخبر المتواتر: و ذلك كما في صحبة العشرة المبشرين بالجنة ، فقد تواترت الأخبار بثبوت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . راجع الحديث في سنن الترمذي (3/311-312) .

3 -الخبر المشهور ، كما في صحبة عكاشة بن محصن و أبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وغيرهم الكثير ممن لا يرتاب مسلم في إثبات الصحبة لهم . راجع دراسات تاريخية في رجال الحديث (ص 39) .

4 -الخبر الآحاد: و يدخل تحته أربع طرق:-

أ - رواية أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الرؤية أو السماع ، مع معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول أحد التابعين: أخبرني فلان أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ، أو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا ، كقول الزهري فيما رواه البخاري في فتح مكة من صحيحه . راجع صحيح البخاري كتاب المغازي (3/64) . و من الذين قالوا بهذه الطريقة ابن كثير في الباعث الحثيث (ص190) والسخاوي في فتح المغيث (3/97) .

ب - إخبار الصحابي عن نفسه أنه صحابي ، و قد افترق العلماء في هذا الطريق إلى أربع مذاهب:

المذهب الأول: أنه يقبل قوله مطلقًا من غير شرط ، وجرى على ذلك ابن عبد البر كما نقله السخاوي في فتح المغيث (3/99) .

المذهب الثاني: أنه يقبل قوله بشرطين:-

الأول: أن يكون ذلك بعد ثبوت عدالته .

الثاني: أن يكون بعد ثبوت معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم .

و ممن جرى على ذلك و جزم به: جمهور علماء الأصول والحديث . راجع: شرح الكوكب المنير لابن النجار (2/479) ، و المختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص89) و جمع الجوامع للسبكي (2/167) و شرح الألفية للعراقي (3/11) وابن حجر في الإصابة (1/8) والسخاوي في فتح المغيث (3/97) و غيرهم الكثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت