الصفحة 79 من 678

وفي روايه للواقدي: «فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن الإسلام، قال أبو بكر - رضي الله عنه - لأسامة -رحمة الله عليه- أنفذ على وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريده باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، فقالوا ياخليفة رسول الله إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئًا، اجعلهم عُدة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم؟ وأخرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 3/225، وأورد هذه الرواية ابن كثير أيضًا في البداية والنهاية 6/308.

لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه وتعود الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا؟ فلما استوعب أبو بكر - رضي الله عنه - منهم كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئًا؟ قالوا: لا قد سمعت مقالتنا، فقال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة). (1)

وفي رواية للطبري: أن هذا هو رأي أسامة نفسه، وهو الذي بعث عمر إلى أبي بكر بهذا وعلى هذا الرأى الأنصار أيضًا، وأنهم قالوا لعمر فإن أبى ذلك فليول الجيش أقدم سنًا من أسامة، وهاهوذا نص الرواية من رواية الحسن البصري قال: (ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله، وثقل رسول الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغازي للواقدي 3/1121.

وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون، وقالت الأنصار: فإن أبي إلا أن نمضي فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلًا أقدم سنًا من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتنى الكلاب والذئاب، لم أرد قضاءً قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلًا أقدم سنًا من أسامة، فوثب أبو بكر-وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب؟ استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه؟ فخرج عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلتكم أمهاتكم؟ مالقيت في سببكم من خليفة رسول الله؟). (1)

فظاهر من هذا أن الذي حمل الصحابة على ما قالوا إنما هو النصح لدين الله، وشفقتهم على المسلمين، وأن القول بتأجيل خروج جيش أسامة، هو قول عامة الصحابة، بما فيهم أسامة، وذلك لشدة الظروف التي كانوا يمرون بها، نظرًا لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تبع ذلك من كثرة الارتداد، وشيوع النفاق، وتربص الأعداء، وطمعهم في المسلمين، في حين أن الجيش سيقطع مسافات بعيدة يخترق من خلالها كثيرًا من أحياء العرب الذين لا يؤمن جانبهم، ويخشى من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 3/226.

غدرهم وردتهم، مما حمل الأنصار أن يطلبوا من عمر -كما في رواية الطبري- أن يطلب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما عزم على مسيرة الجيش أن يولي إمرته من هو أسن من أسامة، فإنه كان شابًا عمره ثماني عشرة سنة (1) ، وهذا لا مطعن فيه على أسامة، وإنما للسن أثره في الحكمة وسياسة الأمور، خصوصًا في تلك المرحلة الحرجة.

ومع هذا فقد صمم الصديق - رضي الله عنه - على تسيير الجيش بقيادة أسامة امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثقة بنصر الله، فسار الجيش إلى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأغار على أهل تلك البلاد فقتل أسامة قاتل أبيه وغنموا منهم ورجع الجيش سالمًا إلى المدينة. (2)

والصحابة على كل حال مجتهدون في شأن جيش أسامة سواء من رأى منهم تسيير الجيش، أو لم ير ذلك، أو رأى عزل أسامة، أو لم ير ذلك، فما أرادوا من ذلك إلا الخير، والنصح لدين الله والمسلمين، وهم أبعد ما يكونون على كل ما يرميهم به الرافضة من التهم الباطلة الجائرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: سير اعلام النبلاء للذهبي 2/500.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت