فهرس الكتاب
الصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لا وجود لها إلا في أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا.
فالتناقض من أحكام العقل، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبدًا في الوجود في محل واحد، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا، ومحال أن يكون حيًّا و ميتًا في آن واحد؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في محل واحد.
والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال ؛ لأن قوله تعالى في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذى يقضيه في شئون الكائنات ، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. هذه هى كلمات الله عزّ وجلّ.
وقد عبر عنها القرآن في مواضع أخرى ب.. السنن وهى القوانين التى تخضع لها جميع الكائنات ، الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شئ في الوجود ، يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية ، التى ليس في مقدور قوة في الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها في الكون.
ذلك هو المقصود ب"كلمات الله"، التى لا نجد لها تبديلًا ، ولا نجد لها تحويلًا.
ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعًا أو كرهًا قوله تعالى: ( كل نفس ذائقة الموت ) . فهل في مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف"سيف المنايا"ويهب كل الأحياء خلودًا في هذه الحياة الدنيا ؟
فكلمات الله إذن هى عبارة عن قضائه في الكائنات وقوانينه المطردة في الموجودات وسننه النافذة في المخلوقات.
ولا تناقض في العقل ولا في النقل ولا في الواقع المحسوس بين مدلول آية: (لا تبديل لكلمات الله) وآية: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) .