فهرس الكتاب
، وكانت تُلَقَّب بـ"نفيسة العلوم"لغزارة علمها وحدة ذكائها. وكانت أم عطية الأنصارية قابلة وخاتنة بالمدينة، أي طبيبة أمراض نساء وولادة بلغة عصرنا، وبرعت في ذلك حتى أنه لا يُعرف بالمدينة غيرها في وقتها. ولم يجد كبار علماء الإسلام - على مرِّ العصور - غضاضة في ذكر أسماء من تلقَّوا العلم عنهن من عالمات السلف. ويمكن الرجوع إلى كتب التراجم والسير والتاريخ للاطلاع على المزيد من سيرهن, وما قدمن من أعمال علمية جليلة لحفظ وتدريس العلوم الشرعية - رضي الله عن الجميع.
وحتى في عصرنا الحديث يعمر العالم الإسلامى بعشرات الملايين من الطبيبات والمُدَرِّسات والمهندسات والعالمات المسلمات في كل فروع العلوم الدينية والدنيوية.
ونؤكِّد أن المجتمعات الإسلامية بحاجة ماسَّة إلى المزيد منهن في كل التخصُّصات. فنحن بحاجة إلى الطبيبات لعلاج بنات جنسهن، ونحن أيضًا بحاجة إلى مَن يقمن بالتدريس لبنات جنسهن في مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية والعلوم الطبيعية. وخروج المرأة لطلب العلم قال عنه ابن حزم - رضي الله عنه:"النِفَار - الخروج - لطلب العلم والفقه في الدين واجبٌ عليهن كوجوبه على الرجال، ففرض على كل إمرأة التفقُّه في كل ما يخصُّها؛ كأحكام الطهارة, والصلاة, والصوم, والحج, والزكاة, وما يحلُّ وما يحرم من الأكل والشراب والملابس وغير ذلك" (16) .
مسلمات خلَّدَهُن التاريخ
ويكفى النساء شرفًا أن أوَّل من آمن بالنبى - عليه السلام - كانت واحدة منهن هى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - التي نطقت بشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله قبل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم من سادات الصحابة. وظلت أيامًا هى وبناتها رقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة هن كل الأمة الإسلامية قبل أن يدخل الإسلام رجل, وسَلَّمَ عليها الله - تعالى - وشهد لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وَبَشَّرَهَا جبريل بقصر في الجنة. وهى التي نصرت دينها ونبيها وزوجها بكل ما تملك، وآمنت به حين كَذَّبَه الرجال, وأعطته مالها حين حرموه, وواسته بنفسها وقومها حين كان وحيدًا مضطهدًا يجبن كثير من الأبطال والرجال عن مساندته ونصرته.
ويكفيهن شرفًا أن أوَّل مَن نال درجة الشهادة في سبيل الله - وهى درجة رفيعة تَمَنَّاها حتى النبى - كانت امرأة هى"سميَّة بنت خياط"والدة عمار بن ياسر - رضى الله عنهما - حيث طعنها الطاغية اللعين"أبو جهل"بحربة في فرجها؛ لأنها رفضت أن ترتدَّ عن الإسلام رغم التعذيب المروِّع الذي تعرَّضت له مع زوجها وولدها, وآثرت الموت مع الإسلام على الحياة مع الكفر.
ومن النساء أيضًا سيدة الأبطال"نسيبة بنت كعب"الأنصارية التى حضرت بيعة العقبة الكبرى مع امرأة أخرى من الأنصار، وصرعت بسيفها عشرات من فرسان المشركين يوم أحد الذى لم يثبت فيه عند الهزيمة إلا قلة من المسلمين منهم"نسيبة"- رضى الله عنها - وتلقَّت عشرات الطعنات في جسدها الطاهر فداء لنبيها - عليه السلام - وحمت جسده الشريف من سيوف وسهام الكافرين.