فهرس الكتاب
الفصل الثالث
مودة ورحمة
الزواج من نِعَم الله الكبرى على عباده، وهو النظام الوحيد الذى يلبى الاحتياجات الفطرية، ويكفل حياة نظيفة للجنسين، فهو أفضل أشكال العلاقات الاجتماعية الممكنة بين الرجل والمرأة. ولكى ندرك عظمة ماجاء به الإسلام يجب أن نلقى نظرة على ما لدى الآخرين من بدائل, ثم نقارن ما عندهم بما عندنا وبضدِّها تتميز الأشياء كما يُقال. يستعرض المفكِّر الإسلامي الكبير على عزت بيجوفيتش (1) مواقف المسيحية الأصلية وأصحاب النظريات المادية - مثل الشيوعية - من نظام الزواج قائلًا:
"الزواج مؤسسة قديمة قِدَمَ الإنسان، وهو نموذج حى للصراع بين الأفكار والدين. فالدين المجرد يتطلَّب العفة (المطلقة) . والمادِّية - كمبدأ - تسمح بالحرية الجنسية كاملة، إلاَّ أن كلا المذهبين عندما واجهته المشاكل في التطبيق تحرك في اتجاه مؤسسة الزواج كحل وسط."
فى المسيحية الأصلية لا مكان للزواج، فقد دعا المسيح إلى العفَّة المطلقة:
"لقد أمرتم بألا ترتكبوا فاحشة الزنا، وأقول لكم كل مَن ينظر منكم إلى إمرأة بشهوة فقد زنا بها في قلبه" (2) . وما يفهم من هذا الكلام هو أن تعليمات المسيح - عليه السلام - تحثُّ الإنسان على أن يناضل من أجل العفة المطلقة. وقد استنتج"تولستوى"الفكرة نفسها فقال:"إن الذين يعتقدون أن حفلة الزواج تعفيهم من الإلتزام بالعفة أو أنها تمكنهم من الوصول إلى مستوى أعلى من النقاء مخطئون". وذكر القديس"بولس"فى إحدى رسائله:"إن غير المتزوجين معنيُّون من الرب كيف يرضونه، وأما المتزوجون فمعنيون بالدنيا؛ أي: كيف يرضون زوجاتهم" (3) . وبصفة عامة تنظر المسيحية إلى الزواج على أنه شرٌّ لا بُدَّ منه، وأنه اختزال للكمال لا مناص منه:"من الخير للرجل ألا يلمس امرأة، ولكن لكي يتجنَّب الوقوع في الزنا فلا بُدَّ أن يكون للرجل امرأة, وأن يكون للمرأة رجل" (4) . في هذه الرسالة نرى أن المبادئ المسيحية الصريحة تضعف وتتحرَّك مقتربة من الواقع, إنه نوع من التنازل الواضح. فمن وجهة نظر المسيحية ليس الزواج حلًا قائمًا على أساس من مبدأ ولكنه حل فرضه الواقع (أن تتجنب الزنا) على حد قول القديس بولس.