الصفحة 11 من 70

إلى الله ونشر الإسلام في أنحاء الأرض بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال.

ولم يمنع النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يهوديًّا من دخول النصرانيَّة ولا نصرانيًّا من الدخول في اليهوديَّة، وكان علي عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أبناء للأنصار دخلوا في اليهودية، كما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ [1] : كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا [2] فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ} .

قال صاحب معالم التنزيل [3] : فقال النَّبِي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم» .

وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال [4] : نزلت {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في رجل من الأنصار من بنى سالم يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيَّان وكان هو مسلمًا فقال للنّبِي صلى الله عليه وسلم: ألا استكرهما فإنَّهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله الآية.

وفي رواية أنه حاول إكراههما فاختصموا إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت الآية فخلاهما.

ولم يمنع النَّبِي صلى الله عليه وسلم وثنيًّا دخل في دين أهل الكتاب بل ولا يهوديًّا تنصر أو نصرانيًّا تَهَوَّدَ أو مجوسيًّا دخل في التهوُّد والتنصُّر، بل جمهور الفقهاء يُقِرُّوَنُه على ذلك كما هو مذهب مالك وأبِي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه.

وما أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى نجران يدل على ذلك أيضًا فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ [5] : (صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا ) .

ولم تعرف عصور الإسلام أنَّهُم أكرهوا ذميًّا على ترك دينه.

والكفر رأس الظلم، فلا يتوهمن أحد أن حمل الآية على التخيير وعدم الإكراه يشعر بإباحة الكفر أو الرضا به، حاشا لله أن يكون هذا، ولعل خوف هذا التوهم هو الذي حدا بكثير من المفسرين على حمل الآية على التهديد والوعيد، حتى مثَّل علماء

(1) (صحيح) : انفرد به أبو داود 2682، صحيح سنن أبى داود 3/ 58.

(2) قَالَ أَبُو دَاوُد: الْمِقْلَاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.

(3) تفسير البغوى: 1/ 314.

(4) تفسير الطبري: 3/ 14.

(5) (ضعيف) : انفرد به أبو داود 3041، ضعيف سنن أبى داود 3/ 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت