الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ َّ) [1] .
وقد سُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه سرورًا عظيمًا، فقد أسلم بإسلامه كثير من قومه، ولم يقف أثر هذا التسامح في المعاملة عند إسلام ثمامة وقومه بل كانت له آثار بعيدة المدى في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد ذهب مكة معتمرًا، فهمَّ أهلها أن يؤذوه ولكنهم ذكروا حاجتهم إلى حبوب اليمامة، فآلى على نفسه أن لا يرسل لقريش شيئًا من الحبوب حتى يؤمنوا، فجهدوا جهدًا شديدًا فلم يرَوا بُدًّا من الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم [2] .
ترى ماذا كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم؟ أيدع ثمامة حتى يلجئهم بسبب منع الحبوب عنهم إلى الإيمان؟ لا، لقد عاملهم بما عرف عنه من التسامح، وأن لا إكراه في الدين، فكتب إلى ثمامة أن يخلِّي بينهم وبين حبوب اليمامة، ففعل، فما رأيكم أيها المفترون؟.
ولما فتح النَّبِي صلى الله عليه وسلم مكة ودخلها ظافرًا منتصرًا كان صفوان بن أمية ممن أهدرت دماؤهم؛ لشدة عداوتهم للإسلام، والتأليب على المسلمين، فاختفى وأراد أن يذهب ليلقي بنفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمِّنه، فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: (فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك) فقال صفوان: إني أخافه على نفسي، فقال عمير: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه علامة الأمان و هي العمامة؛ فقبل برده، فرجع إلى رسول الله فقال: إن هذا يزعم أنك أمنتني، فقال النَّبِي:"صدق". فقال صفوان: أمهلني بالخيار شهرين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بل أربعة أشهر) ، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه [3] .
فهل بعد هذه الحجج الدامغة يتقوَّل متقوِّل على الإسلام زاعمًا أنه قام على السيف والإكراه؟!.
إن من أُكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له؟ بل ويصبح حربًا على هذا الذي أكره عليه؟ ولكن التاريخ الصادق يكذب هذا، فنحن نعلم أن العرب -إلا شرذمة تسور الشيطان عليها- ثبتوا على ما تركهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحملوا الرسالة، وبلَّغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة، ولم يزالوا يكافحون ويجاهدون في سبيل تأمين الدعوة وإزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما
(1) (صحيح) : البخارى 462، مسلم 1764، أبو داود 2679، النسائى 189، أحمد 9523.
(2) راجع قصة إسلامة، ابن كثير البداية والنهاية 5/ 45، ابن هشام السيرة النبوية 6/ 35
(3) راجع قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ابن كثير البداية والنهاية 4/ 306، ابن هشام السيرة النبوية 3/ 213.