ربه، فكلما عرض له في أمر يريد غوايته تذكر الرجم والحرب المعلنة، فلا يخضع له ولا يطيعه، وتبقى طاعته لله وحده.
إن في الحج تتحقق منافع دينية ودنيوية معًا، فيه منافع روحية وأدبية واجتماعية واقتصادية، ففي المؤتمر الكبير الذي يعقد في عرفات، رمز لتوحيد كلمة المسلمين وتوجيههم إلى تدارس المشكلات والأمور التي تواجه شعوبهم، وفي الحج مساواة عملية بين الأمير والفرد العادي، فلا تمييز: لباس واحد، وحياة واحدة، بل سمو فوق المادة والحسب والنسب والمال والجاه.
حقًا إن هذا المؤتمر الإسلامي العالمي لا شبيه له، فالحج رياضة روحية وفكرية، وروح وتربية ومنافع؛ قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج27 - 28] .
أما الحجر الأسود فإن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما قبل الحجر الأسود قال [1] :"إنىَّ أعْلَم إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمقَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ"إشارة إلى أن تقبيله أمر تعبدي، وأن الضار والنافع في الحقيقة، إنما هو الله تعالى وحده, وإنما قال عمر - رضي الله عنه:"إِنَّكَ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ"لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر وخاف أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فنبه عمر - رضي الله عنه - على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع، وهو الله وحده.
ولقد جاءت بعض الأحاديث الواردة في فضل الحجر الأسود وأنه من الجنة فهو ليس كباقي الأحجار الأُخرى:
روى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال [2] : «لَولا مَا مَسَّ الحَجَّر مِنْ أنْجَاسِ الجَاهِلِيّة مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلا شُفِيَّ ومَا عَلى الأرْضِ شَيءٌ مِنْ الجَنَّةِ غَيْرَهُ» .
وروى أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ [3] : «إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا» .
وروى الترمذى عن ابْنَ عَمْرٍو قال: قال صلى الله عليه وسلم [4] : « إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» .
(1) (صحيح) : البخارى 1597، مسلم 1270، أبو داود 1873، الترمذى 860، ابن ماجة 2943، أحمد 100.
(2) (صحيح) : صحيح الجامع 5334.
(3) (صحيح) : أحمد 5589، صحيح الجامع 2194.
(4) (صحيح) : أحمد 6961، الترمذى 878، صحيح الجامع 1633.