الصفحة 21 من 70

طريقة صياغة العلماء للعبارات السابقة، فإنها واضحة كل الوضوح في أن الأصل في كل ما جاء في النصوص الشرعية إنما يتم التعامل معه على أنه جاء على سبيل التشريع، ولذلك احتاج هؤلاء العلماء أن يقيدوا الأمور التي لا يجب على المسلمين امتثالها من معايش الدنيا، بأنها التي جاءت على سبيل الرأي أو لا على سبيل التشريع وهذا يعني أن النصوص التي جاءت في معايش الدنيا أو غيرها ولم تظهر قرينة أو دليل يبين أنها جاءت على سبيل الرأي أو لا على سبيل التشريع فإنه يتم التعامل معها على أنها نصوص تشريعية يجب امتثالها.

ثانيًا: أن يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلملم يذكر الكلام في عدم تأبير النخل مطلقًا من كل قيد، حتى يقال: إن ما تناولته النصوص الشرعية مطلقًا من القيود وهو من أمور الدنيا فإن الشرع يترك -في هذه الحالة- ويرجع في تلك الأمور الدنيوية إلى أهل الدنيا.

فالرسول صلى الله عليه وسلم- كما بُيِّن في الحديث- لم يأمرهم أمرًا مطلقًا، أو لم ينهاهم نهيًا مطلقًا، أي بعبارة أخرى لم يكن ما صدر منه على سبيل التشريع، وألفاظ الحديث ورواياته المتعددة تدل على ذلك، وإن كان من سمع هذا الموضوع من الصحابة قد غلَّبوا جانب التشريع، فقد جاء في ألفاظ الحديث ورواياته: (ما أظن يغني ذلك شيئًا) وجاء (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) ، مما يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن ظن أو خبرة دنيوية لا علاقة لها بالتشريع، ولذلك لما غلَّب بعض الصحابة جانب التشريع في ذلك، بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يرد ذلك وأن كلامه السابق لا يدل عليه، ولذلك قال لهم معقبًا على تصرفهم إزاء مقالته السابقة: (فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن) وقال: (إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) ، وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) فالروايات كلها في مبتداها ومنتهاها متضافرة على أن ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة كان من قبيل الرأي المتعلق بأمور المعاش القائم على الخبرة البشرية التي قد يتاح منها لبعض الناس ما لا يتاح لغيرهم، ولم يكن كلامًا على سبيل التشريع، وإذا تبين ذلك، فقد بطل قولهم في أن النصوص الشرعية المتعلقة بأمور الدنيا، لا يعول عليها، ولا يرجع إليها، وإنما يرجع في مثل هذه الأمور إلى أهل الدنيا والمعرفة بها.

ثالثًا: أن يقال إن أمر الدنيا الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه، هو تأبير النخل فلا يقاس عليه إلا ما جرى مجراه وكان على شاكلته، وهو الخبرة العملية المتعلقة بشأن من الشئون المباحة التي لم يتعلق بها الخطاب الشرعي لا أمرًا ولا نهيًا، وليس المراد بذلك كل أمر متعلق بالدنيا، لأنه قد جاءت نصوص شرعية كثيرة في أمور الدنيا، وقد تعلق بها الخطاب الشرعي أمرًا ونهيًا، فكانت بذلك موكولة إلى الشرع يبين حلالها وحرامها وما يصح منها وما لا يصح إلى غير ذلك من تفاصيلها المطلوبة، ولم تكن موكولة إلى المسلمين -أو إلى غيرهم- يجتهدون فيها أو يعملون فيها بمقتضى عقولهم أو مصالحهم أو أهوائهم، والنظام السياسي وتفاصيله قد تعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت