الصفحة 9 من 70

لقد حاروا في فهمها إذ لا تفهم إلا بالاعتراف بأن هذا الدين حق وافق فطرة الناس وعقولهم فأذعنوا له، وهروبًا من هذه الحقيقة التي نشرت الإسلام في ربوع كانت تُحسب قلاعًا للنصرانية قال النصارى بأن الإسلام دين قام على السيف، وبه انتشر، وأرادوا من خلاله طمس تلك الحقيقة الناصعة.

ولننظر إلى واقع تاريخ الدعوة الإسلامية:

لقد مكث صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو إلى الله بالحجة والموعظة الحسنة، وقد دخل في الإسلام في هذه الفترة خيار المسلمين من الأشراف والفقراء، ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثراء ما يغري هؤلاء، وقد تحمَّل المسلمون من صنوف العذاب والبلاء ألوانًا، فما صرفهم ذلك عن دينهم، وما تزعزعت عقيدتهم، وما سمعنا أن أحدًا منهم ارتدّ سخطًا عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه.

ثم كان أن هاجر بعضهم إلى بلاد الحبشة هجرتين، ثم هاجروا جميعًا الهجرة الكبرى إلى المدينة، تاركين الأهل والولد والمال والوطن، متحملين آلام الاغتراب، ومرارة الفاقة والحرمان، وقد دخل في الإسلام من أهل المدينة قبل الهجرة وبعدها عدد كثير عن رضًا واقتناع ويقين واعتقاد، وما يكون لإنسان يحترم عقله ويذعن للمقررات التاريخية الثابتة، أن يزعم أنه كان للنّبِي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في هذه الأربعة عشر عامًا أو تزيد حول أو قوة ترغم أحدًا على الدخول في الإسلام، إلا إذا ألغى عقله وهدم التاريخ الصحيح.

إن تشريع الجهاد في الإسلام لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كما زعموا، وإنما كان للدفاع عن العقيدة وتأمين سبلها ووسائلها، وتأمين المعتنقين للإسلام، وردِّ الظلم والعدوان، وإقامة معالم الحق، ونشر عبادة الله في الأرض، فلما تمالأ المشركون على المسلمين أمرهم الله بقتالهم عامة، ثم ماذا يقول هؤلاء المغرضون في قوله تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ? [الممتحنة8 - 9] .

فالإسلام لم يقف عند حدِّ أن من سالمنا سالمناه، بل لم يمنع من البر بهم والعدل معهم، وعدم الجور عليهم، وكذلك كان موقف القرآن كريمًا جدًا مع الذين قاتلوا المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، أو ساعدوا عليه، فلم يأمر بظلمهم أو البغي عليهم، وإنما نهى عن توليهم بإفشاء الأسرار إليهم أو نصرتهم وإخلاصهم الودِّ لهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت