فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 1149

قال النصارى: الله له عدل وفضل ، وهو سبحانه وتعالى يتصرف بهما ، فأرسل موسى عليه السلام بشريعة العدل لما فيها من التشديد ، فلما استقرت في نفوسهم وقد بقي الكمال الذي لا يصنعه إلا أكمل الكملاء ، وهو الله تعالى ، ولما كان جوادا تعين أن يجود بأفضل الموجودات ، وليس في الموجودات أجود من كلمته يعني نطقه ، فجاد بها واتحدت بأفضل المحسوسات ، وهو الإنسان ، لتظهر قدرته ، فحصل غاية الكمال ، ولم يبق بعد الكمال إلا النقص ؛ فتفضب بالنصرانية .

والجواب: أما شريعة موسى عليه السلام ، فكانت عدلا وفضلا وقل أن يقع في العالم عدل مجرد ، وإنما وقع ذلك لأهل الجنة .

وتقرير هذا الباب: أن كل جود وإحسان فهو فضل من الله تعالى ، وهو جود لا يجب عليه عري عن الخير والإحسان البتة فهو العدل المحض ، لأن الملك ملكه ، والتصرف في الملك المملوك كيف كان: عدل ليس بظلم . فإن وقع الخير المحض فهو التفضيل المحض ، وهذا هو شأن أهل الجنة .

إذا تقرر هذا ، فشريعة موسى عليه السلام كان فيها من الإحسان أنواع كثيرة ، فتلك كلها فضل ؛ كتحريم القتل والغصب والزنا والقذف والمسكر من الخمور المغيبة للعقول ، وإنما أباح فيها اليسير الذي لا يصل إلى حد السكر ، وكإباحة الفواكه واللحوم والزواج وغير ذلك ، وهذه كلها أنواع من الفضل ، ثم إن عيسى عليه السلام جاء مقررا لها وعاملا بمقتضاها ، ومستعملا لأحكامها ، ولم يزد شيئا من الأحكام ، إنما زاد المواعظ والأمر بالتواضع والرقة والرأفة ، فلم يأت عيسى عليه السلام بشريعة أخرى حتى يقال: إنها الفضل ؛ بل مقتضى ما قاله أن تكون شريعة الفضل هي شريعتنا ؛ لأنها هي الشريعة المستقلة التي ليست تابعة لغيرها ، ولا مقلدة لسواها ، وهذا هو اللائق لمنصب الكمال أن يكون متبوعا لا تابعا ، فهذه الحجة عليه لا له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت