شَرحُ
(الرَّدِ عَلَى الجَهْمِيَّةَ وَالزَّنادِقَةَ: لِلإِمامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ)
للشَّيخِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ عَبدِ اللهِ الرَّاجحِي
حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى
الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ
عِلْمُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّفْضِ
يَتَسَاءَلُ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالدِّرَاسَاتِ الْعَقَائِدِيَّةِ عَنْ مَاهِيَّةِ عِلْمِ الْكَلَامِ أَهُوَ عِلْمٌ قَدِيمٌ مُوغِلٌ فِي الْقِدَمِ، عَرَفَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ مِنْ يَوْمِ أَنْ كَانَ لَهَا عِلْمٌ وَتَارِيخٌ، وَعَلَّمَهُ السَّابِقُ لِلَّاحِقِ حَتَّى وَصَلَ إِلَيْنَا؟.
أَمْ أَنَّهُ عِلْمٌ جَدِيدٌ مُبْتَكَرٌ أَنْشَأَتْهُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي فَتْرَةٍ مِنْ فَتَرَاتِ تَارِيخِهَا; لِتُدَافِعَ بِهِ أَعْدَاءَهَا فِي الِاعْتِقَادِ، وَتُنَافِحَ بِأَسْلِحَتِهِ تَلْبِيسَ الْمُبْطِلِينَ وَغَارَاتِ الْمُغِيرِينَ عَلَى عَقَائِدِهَا الْإِيمَانِيَّةِ؟.
وَالْحَقِيقَةُ -الَّتِي يُؤَيِّدُهَا الْوَاقِعُ وَالتَّارِيخُ- أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ نَبَتَتْ جُذُورُهُ فِي دَوْلَةِ الْيُونَانِ، وَغُذِّيَتْ فُرُوعُهُ فِي مَدَارِسِهَا الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ أَبِيقُورِيَّةٍ، وَرِوَاقِيَّةٍ، وَسُفُسْطَائِيَّةٍ، ثُمَّ زَحَفَ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِيمَا زَحَفَ، فَكَانَ -وَالْحَقُّ يُقَالُ- لِفِكْرِهَا مُشَتِّتًا، وَلِرَايهَا مُفَرِّقًا، وَلِوَحْدَتِهَا مُمَزِّقًا.
وَبَقِيَ -إِلَى يَوْمِنَا هَذَا- عِلْمًا يُعْرَفُ بِهِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُونَ فِي الْبَحْثِ عَنْ الْعَقَائِدِ وَالْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمِمَّنْ تَسْتَهْوِيهِمْ حَقَائِقُ الْوُجُودِ، وَمُغْلَقَاتُ الْكَوْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَبْحَاثِ الْفَلْسَفِيَّةِ.
وَقَدْ وَضَعَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ لِعِلْمِهِمْ هَذَا تَعْرِيفَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً، تَتَبَايَنُ بِمِقْدَارِ اقْتِرَابِ صَاحِبِهَا مِنَ الْفَلْسَفَةِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْهَا.