الصفحة 42 من 92

ومن شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط - عليه السلام - -وكُنَّ سبعًا- بمن فيهن من الأمم وكانوا قريبًا من أربعمائة ألف، وما معهم من الدَّوابِّ والحيوانات، وما لتلك المدائن من الأراضي والعمارات؛ على طرف جناحه، حتى بلغ بِهِنَّ عنان السماء، حتى سمعت الملائكةُ نُباحَ كلابهم وصياح ديَكَتِهِمْ، ثم قَلَبَها فجعل عاليها سافلها. فهذا هو شديد القوى [1] .

(1) هذا الباب معقود لبيان ركن من أركان الإيمان وأصل من أصوله العظام ألا وهو الإيمان بملائكة الله -جل وعلا- فإن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. والإيمان بالملائكة ركن لا يصح إيمان أحد إلا بأن يؤمن بالملائكة يعني بأن الملائكة موجودون كما أخبر الله -جل وعلا- وأنهم عابدون لا يُعْبَدون وهذا القدر واجب وركن وهذا هو القدر المجزئ من الإيمان، فمن لم يؤمن بذلك وهو الإيمان بوجود الملائكة والإقرار بأنه ثم من خلق الله ملائكة اصطفاهم -جل وعلا-، والثاني أنهم عابدون لا يُعبدون وأنهم بأمر الله يعملون هذا القدر لابد منه في الإيمان لأن هذا معنى وجود الملائكة في أن الإيمان الملائكة الإيمان بوجودهم وبأنهم يعبدون الله -جل وعلا- وبأنهم لا يُعبدون.

لفظ: الملائكة جمع وهو جمع ملأك وأصل هذه الكلمة ملأك مقلوبة عن مألك والمألك مصدر يعني بالاعتبار العام وأصلها من الأَلُوكة والألوكة هي الرسالة وفعلها ألك يألك ألُوكة يعني أرسل برسالة خاصة وبمهمة خاصة فإذًا الكلمة راجعة إلى معنى الإرسال فالملائكة من لفظها اللغوي معناها المرسلون برسالة خاصة والقائمون بمهمة خاصة ولذلك في الإيمان بالاسم لمن يعرف معنى الاسم فيه ذكر المرتبتين اللتين ذكرتهما لك في الإيمان، الإيمان بالوجود والإيمان بالعمل هذا موجود في الاسم لمن يعقل المعنى العربي.

والملائكة خلق من خلق الله جل وعلا- خلقهم من نور كما جاء في حديث عائشة الذي رواه مسلم:"خلقت الملائكة من نور فهم أنوار أرواح مطهرة مكرمة جعلها الله -جل وعلا- عنده"يعني أنه جعلهم في السماء فأصل مقامهم في السماء وقد يوكلون بأعمال في الأرض فينزلون بأمر الله -جل وعلا- - تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ - و - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ - يعني أن أصل مكانهم في السماء كما أن أصل مكان الجن والإنس في الأرض.

الملائكة الكلام عن ما يتعلق بهم فيما جاء في النصوص كثير وألفت فيهم بعض المؤلفات وهي مبسوطة في كتب أهل العلم بالتفسير والحديث، وقد ساق الإمام المصلح -رحمه الله- في هذا الموضع جملًا كثيرة من تعداد الملائكة ومن صفتهم وبع ما يتصل بذلك فيمكن أن نقول يعني في جُمَل بحث الملائكة أنه الملائكة من حيث خلقهم، خلق عظيم يعني في الصفة وأنهم أنوار يعني خلقوا من نور لا يراهم الإنسان بعينه المجردة لكن إن كشف عنه الغطاء رأى كما قال سبحانه: - فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ - فالإنسان على بصره عطاء يعني حدود يرى بها لكن بالموت إذا كُشف عنه الغطاء أو كَشَف الله عنه الغطاء البشري في الدنيا لأنبيائه ورسله، فإنهم يرون ما لا يرى غيرهم فيرى الملائكة على صورتهم التي خلقهم الله -جل وعلا- عليها كما ثبت في الصحيح أن النبي - قال: (( رأيت جبريل على صورته مرتين له ستمائة جناح قد سدّ الأفق ) )، ومنهم ذوو الأجنحة ومنهم من ليس بذي أجنحة خلقهم متنوع لكن يجمعهم أن خلقهم من نور.

الملائكة منهم ثلاثة كرمهم الله -جل وعلا- وجعلهم سادة الملائكة وهم: جبرائيل وميكائيل، وملك انفخ في الصور إسرافيل وهؤلاء الثلاثة في مهمتهم تشابه، فجبرائيل جعله الله -جل وعلا- سيدًا على الملائكة وموكلًا بالوحي فهو الذي ينزل بالوحي من الله -جل وعلا-إلى رسله وإلى ملائكته، وميكائيل موكل بالقطر من السماء يُصَرفه كما يأمر الله ـ جل وعلاـ:

-وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا -، وإسرافيل هو الموكل بقبض الأرواح وبالنفخ في الصور ونحو ذلك، والتناسب بينهم كما ذكر العلماء أن هؤلاء متصلة بهم الحياة فجبرائيل متصلة به حياة الدين وحياة الأرواح الحقيقية؛ لأنه ينزل بالوحي وميكائيل بحياة الأرض بالقطر من السماء، وإسرافيل بحياة الأبدان بعد موتها.

أيضًا: مما يتصل بذلك أن الله -جل وعلا- جعل الملائكة موكلين بالأعمال ولفظ التوكل جاء في القرآن كما قال سبحانه: - قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ - فالله -جل وعلا- وكل الملائكة بأعمال هذا مختص بالسحاب، وهذا مختص بالهواء وهذا مختص بالبحار، وهذا مختص بالأشجار، وهذا مختص بالإنسان، وهذا إلى آخره في أعمال كثيرة كثيرة جدًا، فما من شيء يحصل إلا والله -جل وعلا- قد أمر به وحدث بإذنه وأمره وقدرته والملائكة موكلون بذلك وقد يكون الملك الموكل بشيء معه ملائكة كثير يفعلون ما يأمرهم به كما قال سبحانه في ذكر ملك الموت: - حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ - فهم رسل وسيدهم أو رئيسهم ملك الموت.

من الملائكة، الملائكة المقربون الذين ذكرهم الإمام فيما سمعت الملائكة المقربون أقسام: منهم حملة العرش وهؤلاء لا يقال لهم الكروبيون في بعض ما جاء في آثار السلف وسموا بالكروبين لأجل ما يعلوهم من الكرب من حمل العرش وقربهم من الله - جل جلاله - وخوفهم منه سبحانه وشدة فزعهم وكثرة فزعهم من الله ـ جل وعلاـ.

ومنهم الملائكة الذين، يعني: هؤلاء المقربين الملائكة الذين حول العرش قال ـ جل وعلاـ: - الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ - وبعض العلماء يجعل حملة العرش ومن حوله جميعًا يدخلون في اسم الكروبيين وحملة العرش ومن حوله لهم مزيد اختصاص لقربهم من

الله -جل وعلا- ومزيد فضل واختلف العلماء في حملة العرش كم عددهم على قولين:

منهم من قال: إن عددهم ثمانية لقوله سبحانه: - وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ -.

ومن أهل العلم وهم الأكثر قالوا: أنهم أربعة في الدنيا وثمانية يوم القيامة يعني أن العرش عرش الرحمن جل وعلا- إذا جيء به يوم القيامة لفصل القضاء فإنه يأتي به ثمانية من ملائكة الله -جل وعلا- أما في الدنيا فهم أربعة ويستدلون لذلك بحديث رواه الإمام أحمد بإسناد جيد أن ملائكة العرش أربعة، ومن الملائكة خازن الجنة، وخازن النار، ومن الملائكة ملائكة موكلون بابن آدم منهم من يكتب ما يصدر منه ومنهم من يحفظه من بين يديه ومن خلفه وهؤلاء هم المعقبات يتعاقبون على ابن آدم أربعة يتعاقبون فيهم، يعني في المكلفين والملائكة أنواع وأشكال كثيرة متنوعة في مهامهم والمؤمن يؤمن بهؤلاء إجمالًا على وجودهم لا ينكر شيئًا من ذلك وتفصيلًا فيما علمه بالتفصيل، فالإيمان إذن بالملائكة على درجتين الإيمان الإجمالي فيما علمت وفيما لم تعلم والإيمان التفصيلي فيما فصل لك في النصوص فما جاء في النص من وصف ملك أو ذكر اسمه في دليل في القرآن أو في حديث صحيح ثابت في سنة النبي -، فوجب اعتقاده لأن هذا أمر غيبي يجب اعتقاده على ما جاء في الدليل، ولعلكم ترجعون إلى كتاب مختص بذكر الملائكة وتطلعون على صفات الملائكة وما يتصل بذلك ويأتي إن شاء الله في هذا الكتاب تتمة الكلام في ذلك.

من آثار الإيمان بالملائكة: يعني أن إيمان المؤمن بالملائكة له آثار على إيمانه ويقينه منها:

أولًا: شدة تعظيمه لربه -جل وعلا- لأن معرفة المرء؛ ولأن إيمانه بالملائكة به يعلم عظمة الرب -جل وعلا- وأن هؤلاء الملائكة الذين عظم وصفهم وعظمت إحاطتهم وقُدرَهم بما أقدرهم الله -جل وعلا- وكثرة عددهم وتنوع خلقهم وصفاتهم فيه الإيمان بعظمة الله -جل وعلا- وشدة الخوف من الله -جل وعلا- ومعرفة والعلم بأسمائه وصفاته - - - فإذا كانت الملائكة يخافون ربهم من فوقهم فالعبد المؤمن يعلم انه أحق بالخوف لأنه مكلف متعرض للطاعة وللذنب وأولئك مطهرون وإذا علم أن الملائكة إذا سمعوا كلام الله -جل وعلا- أصابتهم صعقة ورعدة شديدة وصعقوا ثم فزع عن قلوبهم فإنه يعلم حينئذ أن الملائكة مع شدة خلقهم وعظم وصفهم أنهم ينالهم ذلك مع تقواهم لله -جل وعلا- ومع طاعتهم وأنهم ركع سجود يعملون بأمر الله لا يخالفونه، فكيف بحال العبد المكلف الذي يخالف كثيرًا ويعصي كثيرًا ويغفل كثيرًا، فإذًا الأثر الأول العام هو الإيمان بعظمة الله -جل وعلا- وما يورثه الملائكة من خوف الله -جل وعلا- ومن الإنابة إليه.

الثاني: محبة الملائكة فإن الملائكة مطهرون عباد مكرمون مطيعون لله موحدون لله فبين الموحد وبين هؤلاء الموحدين الملائكة بينه وبينهم سبب وصلة ومحبة ولذلك الملائكة يستغفرون لابن آدم - َيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ - ويستغفرون لمن دعا لأخيه فبينهم وبين الموحد المؤمن محبة، وكذلك المؤمن يحبهم ولذلك لا يرضى بالتعدي عليهم أو بادعاء أنهم وسطاء عند الله -جل وعلا- أو بأنهم بنات الله -جل وعلا- كما يدعيه المشركون تعالى اله عن قولهم علوًا كبيرًا.

الثالث: من آثار الإيمان بالملائكة أيضًا أن الإيمان بالملائكة يعرف المؤمن الموحد ويجعل المؤمن على يقظة ومحاسبة لما يصدر منه؛ لأن الملائكة منهم الموكل بالكتابة ومنهم الموكل بالحفظ وهؤلاء بأمر الله -جل وعلا- يعملون ولهذا يُكرم الملك عند المؤمن الموحد وعند العالم الراسخ يكرم الملك عن كثير من الأعمال والهيئات والأقوال التي تصدر عن الجهلة فكلما عظم الإيمان يعني بالملائكة كلما عظم إكرامهم عما يكرهون مثل الكلام السيئ الأفعال الخبيثة والروائح الخبيثة ونحو ذلك مما تنفر منه الملائكة إلى غير ذلك من الآثار التي ربما يأتي إن شاء الله تعالى بعضها.

سؤال:

الجواب: هو من جبريل - نزل به الروح الأمين على قلبك -، - إما أنزلناه في ليلة القدر - إلى أن قال: - والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر - يعني: بكل أمر، فالعلماء يقولون: إن جبريل عليه السلام مختص بوحي الله -جل وعلا- يعني بالنزول بالوحي، وهذا كثير في الأحاديث، (إن روح القدس نفث في روعي) ، (إن جبريل أتاني آنفًا) ، فقال: .. وهكذا في كثير منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت