الصفحة 68 من 92

[أسباب الفتن]

98 -وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"كيف أنتم إذا لبستكم فتنةٌ يربو فيها الصَّغير، ويهرمُ فيها الكبير، وتُتَّخذَ سنَّة يجري النَّاس عليها، فإذا غُيِّرَ منها شيءٌ قيل: تُركت سنَّةٌ. قيل: متى ذلك يا أَبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُر قُرَّاؤُكم، وقَلَّ فقهاؤُكم، وكثرت أموالكم، وقَلَّ أُمناؤُكُم، والتُمِسَتِ الدُّنيا بعمل الآخرة، وتُفُقِّهَ لغير الدِّين". رواه الدَّارِمِيُّ [1] .

(1) رواه الدارمي المقدمة (1/ 58) رقم: (191) : أخبرنا أبويعلى حدثنا الأعمش عن شعبة، عن شقيق قال: قال عبد الله.

هذه الأحاديث والآثار عظيمة في هذا الباب وهو باب الإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أصول الإيمان به - صلى الله عليه وسلم - أن تلازم وتلتزم سنته - صلى الله عليه وسلم - وملازمة السنة يكون في الأمور العلمية وفي الأمور العملية.

الأمور العلمية: في مسائل الغيبيات في الله -جل وعلا- وأسمائه وصفاته وأفعاله وكذلك في ما في اليوم الآخر من الحوض والميزان والصراط من الجنة والنار إلى آخر ذلك، وكذلك من الأمور الغيبية أمور الجن والملائكة وما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - فكلام الله -جل وعلا- صدق وعدل وكذلك كلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- قال سبحانه {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مبدل لكلماته} . {تمت كلمة ربك} يعني الشرعية صدقًا في الأخبار لا كذب فيها تعالى الله -جل وعلا- عن ذلك وعدلًا في الأمر والنهي لا ظلم فيها. فملازمة السنة في الأمور العلمية كون في مسائل الغيب وهذا من أعظم ما حصل فيه الافتراق والبدع في المسائل الغيبية الجنة والنار، والصفات والملائكة، والجن وأشباه ذلك. وأيضًا في المسائل العلمية وهي الصورة الثانية تلازم السنة في المسائل العلمية بعدم تقديم العقل على السنة والعقل والقياس والرأي إنما هو خادمٌ للسنة لا مقدمًا عليها، وقد ضل وابتدع وتنكب الصراط من قال إن العقل هو القاضي، والكتاب والسنة شاهدا عدل وهذه يقولها طوائف من المتكلمين وأهل البدع من المعتزلة، والأشاعرة وغيرهم، فالمسائل العلمية في العبادات يعني من جهة كونها علمية تقدم فيها السنة على العقل فالعقل خادم قد نصل إلى المعنى وقد لا نصل، قد نفهم وقد لا نفهم وأيضًا العقل مختلف قد يصل فلان العالم ولا يصل إليه فلان الآخر فالجميع واجب عليهم التسليم وهذا من حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أيضًا ملازمة السنة في الأمور العملية: وهي القسم الثاني بترك البدع والمحدثات ولزوم طريقة الصحابة رضوان الله عليهم الذي اهتدوا بهديه - صلى الله عليه وسلم - فكل بدعة خروج عن سنة. ولهذا قال ابن مسعود فيما سمعتم"كيف بكم إذا ركبتم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير إذا غيرت"قيل غيرت السنة فالبدع العملية مناقضة للسنة العملية، بل كل ما زادت السنن ضعفت البدع، وكلما ضعفت السنن ظهرت البدع فمخالفة السنة والأخذ بالبدع والمحدثات له عدة أسباب يعني منشأة في هذه الأمة من الزمن الأول إلى زمننا هذا له عدة أسباب أنشأت الأخذ البدع ومنها:

أولًا الجهل: فالبدعة ينشئها الجهل بالسنة. وإلا فالسنة كافية فينشئ عبادة يتعبدها أو يتأول شيئًا من المسائل العلمية ويصير إلى البدعة لأجل جهله.

والثاني من أسباب نشوء البدع وضعف السنة: الهوى: والهوى لا شك أنه من أعظم أسباب حدوث البدع في هذه الأمة كالخوارج أنشأ عندهم البدعة الهوى وكذلك المرجئة، وكذلك القدرية إلى آخره فعندهم أهواء مع الجهل والتأويل الذي عندهم.

السبب الثالث: هو إرادة الخير يكون عنده جهل وهوى ويقول أنا أريد الخير وهذا مثل ما ذُكر لابن مسعود أن جماعة يجتمعون يقول أحدهم سبحوا مائة هللوا مائة، احمدوا مائة، وبين أيديهم حصى يعدون فذهب إليهم أبوعبدالرحمن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - فلما رآهم على هذه الحال قال أنتم على أهدى من طريقة صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أنتم على شعبة ضلالة هذا أمر جديد ويعرفون أنه جديد هذه آنية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكسر وهؤلاء أزواجه عليه الصلاة والسلام لم يمتن أي أن العهد به قريب إلى آخره ... قالوا يا أبا عبدالرحمن ما أردنا إلا الخير. يعني أن الذي بعثنا على هذه الصفة وهذا التسبيح إنما هو الخير وهذا تسبيح وتهليل قال: كم من مريد للخير لم يبلغه، وهذا يدل على أن منشأ كثير من البدع في المسائل العلمية أو في المسائل العملية قول القائل أردنا الخير، وابن مسعود - رضي الله عنه - رد على هذه الفرية أو على هذه الشبهة بأبلغ رد أيضًا من أسباب ترك السنن والأخذ بالبدع في هذه الأمة في المسائل العلمية أو العملية.

رابعًا الغلو: والغلو وهو مجاوزة الحد المأذون به فمن جاوز الحد المأذون به في المسائل العلمية أو في المسائل العملية فإنه لا يؤمن عليه بل يصير إلى المخالفة والبدعة، فالذين جاوزوا الحد في الجهاد الحد المأذون به صاروا إلى بدعة الخوارج الذين جاوزوا الحد في مسألة التحكيم، صاروا إلى الخارجية الذين جاوزوا الحد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صار بهم إلى الخروج على الولاة كما هو دين المعتزلة الذين جاوزوا الحد في الأذكار صار بهم الحال إلى بدع الأذكار والاجتماعات الذين جاوزوا الحد في السلوك وتربية النفس والزهد صار بهم الحال إلى أن سلكوا مسلك التصوف المبتدع الذين جاوزوا الحد في التنزيه تنزيه اللَّه -جل وعلا- صار بهم إلى التعطيل وهكذا في أشياء كثيرة.

فإذًا الغلو من أعظم أسباب ترك السنن والأخذ بالبدع وهذه كلمات لها زيادة تفصيل، والمقصود مما يتعلق بهذه الآثار العظيمة أن من حق النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أعظم حقوقه على أمته والإيمان به -عليه الصلاة والسلام- من أعظم حقوق الإيمان به أن يقتفى سبيل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وأن تترك الأهواء والبدع وبنيات الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت