وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها )) رواه البخاري.
وعن الشيخين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها.
وعند أحمد والبزار (كما قال المنذري في التغريب) عن أبي ذر رضي الله عنه قال:- بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس اذ قام أعرابي فيه جفاء فقال: يا رسول اله أكلتنا الضبع (أي السنة القاحلة المجدبة) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( غير ذلك أخوف عليكم، حين تصب عليكم الدنيا صبًا، فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب ) )قال المنذري:- رواه أحمد رواة الصحيح.
فهذا تحذير متكرر من زهرة الدنيا والتنافس عليها.
-هذا الخوف النبوي من بسط الدنيا على أمته سببه ما يحققه البسط من تعطيل الأمة في اندفاعها نحو الآخر بالجهاد لهدايته وادخاله في الطاعة الشرعية كما هو داخل في الطاعة القدرية، وهذا الحديث يبين في حقيقته السبب الأول في انحسار هذه الأمة وغياب فاعليتها في الوجود.
-... يمكن لدارسي الحضارة الاسلامي أن يتحدثوا عن العوامل التي أدت لغيابها وأفولها، وقد نشطت منذ سقوط الخلافة الاسلامية التركية دراسات كان عنوانها -لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم- وقد تكلم فيها المخلصون والمصلحون كلامًا نافعًا مفيدًا، وكلٌّ حاول أن ينهض بهذه الأمة في جهة من الجهات، وعامة هذه الدراسات كان نظرًا في المآلات والنهايات؛ أي أمة كان رصدًا للواقع الداخلي لظاهرة المرض لا كشفًا عن حقيقة المرض، ودون الدخول في رد تفصيلي على ما قيل من دراسات فإن مشلكة أمة الاسلام كانت في تغيير وجهتها وتخليها عن عملها، فبدل أن تبقى أمة جهاد ودعوة، أي أمة غازية هادية، يتحقق بهذا الغزو والهداية الكثير من التحصين الداخلي، فإن قلب اتجاه السهم من الانطلاق نحو الخارج إلى الانتكاسة نحو الداخل هو الذي حقق الكثير من الأمراض التي أوهت هذه الأمة وأذهبتها بعد ذلك.
الحراك نحو الخارج كحركة الماء من علو إلى نزول، يساق من داخله ما يعرض من قاذورات ونجاسات، ويمنع حصول التوطين لها ولغيرها من الأمراض والخبائث، ومجرد السكون يعني دخول الفساد في الماء؛ أي في الأمة.
لقد حدثت الفتنة الأولى داخليًا بمقتل ذي النورين الصادق البار عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد ثوار مجرمين فسقة - عاملهم الله بما يستحقون-، وكانت فتنة عظيمة هائلة، وهي في تقييمها التاريخي كانت قادرة أن تنهي مفهوم الأمة واقعًا، اذ كانت في قلب الارادة، وكان ما أعقب القتل من حرب داخلية هو الأشد والأقسى، اذ انشطر العالم الاسلامي إلى قسمين عظيمين- كما سماهما رسول الله: فئتين عظيمتين- وكانت المقتلة بينهما عظيمة شديدة، وكان علاجها بعد الصلح هو ما هدي إليه خلفاء بني أمية من دفع الأمة إلى الجهاد نحو الخارج، وقد تحقق في زمن الدولة الأموية من الفتوحات العظيمة التي حققت بقاء الأمة ومنع الفتنة من أن تأخذ أبعادها السننية في إزالتها أو توهينها.
لم تكن هذه الفتنة الداخلية العظيمة قد سببًا ولا بداية لإرساء قاعدة الضعف الذي وصلنا إليه اليوم، وأما من حاول من أصحاب البدعة أو من سايرهم من المستشرقين وأذنابهم في جعل هذه الفتنة هي أول عوامل الهدم في الأمة فقد أخطأ ولم يصب.