الصفحة 66 من 94

الثِّقَةِ الصَّدُوقِ الضَّابِطِ أَشْيَاءَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهَا بِأُمُورِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيُسَمُّونَ هَذَا"عِلْمَ عِلَلِ الْحَدِيثِ"؛ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ وَغَلِطَ فِيهِ وَغَلَطُهُ فِيهِ عُرِفَ;

إمَّا بِسَبَبِ ظَاهِرٍ كَمَا عَرَفُوا"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَأَنَّهُ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ"وَجَعَلُوا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِتَزَوُّجِهَا حَرَامًا [1] ،

وَلِكَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ [2] .

وَكَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ:"إنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ" [3] ، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ

الْغَلَطُ.

وَعَلِمُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَهُوَ آمِنٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لِعَلِيِّ:"كُنَّا يَوْمَئِذٍ خَائِفِينَ" [4] مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ:"أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ" [5] مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَهَذَا كَثِيرٌ [6] . وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ طَرَفَانِ:

طَرَفٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ فَيَشُكُّ فِي صِحَّةِ أَحَادِيثَ أَوْ فِي الْقَطْعِ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً مَقْطُوعًا بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ.

وَطَرَفٌ مِمَّنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ كُلَّمَا وَجَدَ لَفْظًا فِي حَدِيثٍ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ أَوْ رَأَى حَدِيثًا بِإِسْنَادِ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا جَزَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ حَتَّى إذَا عَارَضَ الصَّحِيحَ

(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب تزويج المحرم، تحت رقم (1837) ، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته، حديث رقم (1410) . وقد وجّه بعض أهل العلم تصحيح البخاري ومسلم للحديث؛ بأنهما تأولا كلام ابن عباس، وأنه أراد أنه تزوجها في الشهر الحرام، أو قريبًا من إحرامه، وهذا جريا على أسلوب العرب في إطلاق الفعل على ما قاربه.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب قول الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ا، حديث رقم (398) ، ومسلم في كتاب الحج باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة، حديث رقم (1331) . ويوجه تصحيح البخاري ومسلم للحديث بأن ابن عباس إنما تكلم بحسب علمه، فهو لم ينف علم غيره، ومن علم حجة على من لم يعلم.

(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (1777) ، ومسلم في كتاب الحج باب بيان عمر النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (1255) . ووجه تصحيح حديث ابن عمر على أن هذا بحسب علمه.

(4) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع، حديث رقم (1223) ، واصل القصة في البخاري في كتاب الحج باب التمتع والقران والإفراد، حديث رقم (1563) .

(5) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ، حديث رقم (7449) .

(6) يعني ما يذكرونه من أحاديث معلة ظاهرها الصحة! ومراد المصنف تقرير أن أهل الحديث كما يقوون حديث الضعيف إذا قامت القرائن المقتضية تقويته، قد يضعفون من حديث الثقة ما قامت القرآن على اختلال ضبطه فيه، فهذا الأمر سلم لهم، هم المختصون به دون سائر الناس، فالتسليم لهم واتباعهم فيه هو الأصل، إذ يرجع في كل فن إلى أهله، وهم يقررون أن الحديث الآحادي المحتف بالقرائن يفيد العلم، ويوجب العمل، بل يقررون أن الحديث الآحادي إذا صح مطلقًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاد العلم وأوجب العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت