وأبيات عنترة كذلك: صورة ملخصها: معركة محتدمة ازدحمت فيها الخيول وبرقت الأسنة ولمعت السيوف حول الشاعر تتناهشه وتنهل من دمه.
ومع عظم هذا المقام وشدة هوله يتذكر حبيبته، ويتخيل لمعان السيوف والأسنة كلمعان ثغرها عندما تبتسم، فيتفجر في نفسه الشوق إليها حتى يكاد يهجم على تلك السيوف لا باطشًا ولكن مقبلًا.
فهذه الصورة نجحت في التعبير عن: شجاعة الشاعر، وشدة محبته لصاحبته، وجمال ثغرها وحسنه.
وهكذا كلما تأملت شيئًا من عيون الشعر وجيده تجد أن حسنه وجودته في صدق المعاني وصدق التعبير وجماله.
وتجد الشعر كلما أغرق في الاستعارات البعيدة والصور المستحيلة ازداد قبحًا وصار مستهجنًا.
وبذلك تعلم أن أعذب الشعر أصدقه! وأن هذا هو الميزان الصحيح كما قرره حسان بن ثابت رضي الله عنه.
موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر:
النبي هو سيد العلماء، فهل كان يكره الشعر ويذمه؟
من المجمع عليه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاعرًا ولم ينظم الشعر، بل طبعه الله عز وجل على خلاف سجية الشعراء ومنع عنه ملكة الشعر .. حتى ما كان يستقيم في لسانه في الغالب، وإن كان يجري على لسانه أحيانًا، إلا أن المنفي عنه بالجملة أن يكون شاعرًا، فإذا جرى على لسانه بيت أو بيتان مستقيمان فإن ذلك لا يعني أنه قال شعرًا، لأن جريان كلام منظوم بغير قصد لنظمه وعنايته بإيجاده موزونًا، يجري على كل الألسنة ولا يعتبر شعرًا ..
قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [4] : أخرج ابن كثير عن الشعبي قال:"ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
أما قوله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} أي ليس من طبعه فلا يحسنه ولا تقتضيه جبلته، ولعل الحكمة في ذلك (الإعجاز) بالقرآن فإنه أعظم من الشعر وليس بشعر، وإثبات أنه من عند الله وليس من تأليف الرسول .. فسد الله عز وجل كل باب يمكن أن يتذرع به المشركون في دعواهم أن القرآن من كلامه صلى الله عليه وسلم أو أنه من شعره، فجعل الرسول أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، حتى لا يقال إنه ينقل من كتب اليهود والنصارى، ولم يجعله شاعرًا حتى لا يقال إنه يؤلف شعرًا.
وكون الرسول أميًا لم يعن مذمة الكتابة والقراءة .. وكذلك كونه ليس شاعرًا لا يعني ذم الشعر .. فلا يفهم من قوله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} إلا أن الشعر مع مقام الوحي لم يكن مناسبًا، كما أن الأمية كانت مناسبة، والدليل على أن المقصود هو تأكيد أن القرآن ليس بشعر أن الآية جاءت في معرض هذا المعنى حيث يقول بعدها: {إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} فيكون المعنى وما ينبغي أن يكون القرآن شعرًا؛ لأنه كتاب إرشاد وتعليم وموعظة للناس، والشعر ليس محلا للتفصيل والتبيين والإيضاح بل هو محل الإجمال والإشارة .. فهذا الكلام ليس من نوع الشعر ولكنه (قرآن مبين) ..
ثم قال: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي يحق عليهم بأن هذا الكلام المبين كلام الله وبذلك تنقطع حجة المشركين ..