فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 195

يذكرنا جسد المرأة في شعر نزار قباني الذي يشمل الكون كله، ويجعله أصل الكون بقصة"مردوخ"الذي دخل في صراع مميت مع"نعامة"فقتلها ثم قسم جسدها نصفين، فمن نصف رفع السماء ومن نصف ثبت الأرض. ثم أخذ بتنظيم الكون ليخرجه على صورته الحالية (77) ، وإذا كان الكون بكليته يشكل تبديًا في الزمان والمكان لها، فإن أي جزء من هذا الكون إذا أخذ في حد ذاته، وفي اعتبار ماهيته، هو ... هي، فالسماء الزرقاء التي تنشر غطاءها فوق الأرض هي الأم، ورداء الليل المعتم الذي يبدو بلا أطراف هو الأم، والبحر الذي يصدر عن مياه أزلية لا نهاية لها في الامتداد هو الأم، ولعل أكثر مظاهر الكون تجسيدًا للأم، كانت الأرض، فالأرض هي الأم الحقيقية للإنسان ومن أعماقها تنفجر ينابيع المياه وعلى سطحها تسيل مجاري الأنهار، يلتصق بها الإنسان في حياته ويعود إليها في مماته (78) .

يذكرنا شعر نزار قباني كذلك بتلك الأعمال التشكيلية التي وصلت إلينا من فترة ازدهار الحضارة الكريتية، إذ كانت في غالبيتها تتخذ المرأة موضوعًا رئيسًا لها. فبالإضافة إلى رسوم وتماثيل الأم الكبرى، كانت الأعمال التشكيلية الأخرى تصور المرأة في أبهى وضع وحلة (79) .

وكما تتغذى الحياة التي أطلقتها الأنثى من رحمها، وعلى جسدها وفي أحضانها، وكما يعطي هذا الجسد حليبًا ينبثق منه بشكل سحري معجز، وكما يهب هذا الجسد طفولة الإنسان دفئًا وأمنًا وسكنًا، كذلك هي الأم الكبرى. عنها انبثقت الحياة على المستوى الشمولي وعليها تتغذى وتستمر (80) .

لقد ارتبطت المرأة في شعر نزار قباني بالأمومة وارتبطت معها رموز الطبيعة فلا تكاد تخلو قصيدة منها أو من رموزها، وغدا الجسد الأنثوي:"أشبه بالوعاء السحري الذي يتحول في داخله الدم إلى حليب يتفجر من فوهة الثدي، وبالمستودع الذي تختمر في ظلماته بذور الحياة لتنطلق من بوابة الرحم" (81) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت