فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 290

وحققت العلوم الطبيعية (البيولوجيا والكيمياء والفيزياء) قفزات هائلة قوَّضت بدهيات عاشت الإنسانية قرونًا طويلة مطمئنة إلى صدقها المطلق. ودخلت الإنسانية بسبب هذه الاكتشافات مرحلة جديدة من الشك وعدم اليقين. فقد شهد القرن الـ (19) انقلابات هائلة في مجال الأفكار عن طبيعة الضوء وسقط نيوتن عن العرش، كما سقطت نظريته عن الضوء، التي قالت إن الضوء موجات. ووضع العلماء فرضًا جديدًا يقول إنه جسميات. كماه افترضوا آنذاك وجود وسط اتخذوا له اسم"الأثير"في الفضاء يعمل كموصل للضوء، وهو فرض ثبت خطؤه بعد ذلك. وفي الربع الأخير من القرن الـ (19) تحول الثالوث الفلسفي السائد أمام أعين الجيل؛ وأعني به ثالوث: الوحدة، النمو، الغرض؛ إلى ثالوث: الوحدة، والفيض، والمصادفة. واختفى الفرض من وجه الكون، ووجد المفكرون والعلماء أنفسهم وقد وقعوا في حبائل حتمية عمياء بدت ضارة أكثر منها خيَّرة. واختفت تدريجيًا فكرة التقدم المطرد، وحلت محلها صور أشياء أو موجودات في حالة فيض فارغ من المعنى وخلوا من الغرض. وأضحت الحرية الفردية في مهب الريح بعد إعلاء شأن مفهوم الحتمية (1) . في مجالات البحوث الإنسانية على أيدى علماء من أمثال أو جست كونت وهربرت سبنسر؛ والحتمية الاقتصادية على يد ماركس والتي تنذر بحتمية زوال نظم اجتماعية تسعى إلى الحفاظ على نفسها.

وفسر البعض مبدأ الحتمية على أنه يعني سقوط الإرادة الحرة للإنسان وزوال الحرية الفردية، بعد أن أضحى الإنسان كائنًا فيزيقيًا لا يملك إلا الخضوع لقوانين الكون الفيزيائية (2) . وكانت الإنسانية بحاجة إلى أن تنتظر دعاة التقدم ليقدموا لها تفسيرًا جديدًا يعزز مفهوم الحرية الفردية في ضوء فهم علمي جديد متكامل مع مفهوم الضرورة؛ بعيدًا عن الحتمية الميكانيكية أو التفسير الميكانيكي لها.

(1) 1 ـ نفس المرجع ص 202، 203 ك 3.

(2) 2 ـ المرجع السابق ص 317، 318 ك 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت