منهم الإمام المزي وإن كان أكبر منه سنا وأطول باعا في علم الحديث إلا أنه تأثر بمدرسة ابن تيمية السلفية، وكذا تلميذه ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وابن مفلح، فرحم الله الجميع.
قال ابن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ لم يبرح في ازدياد من العلوم، وملازمة للاشتغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، وحتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والورع والشجاعة والكرم والتواضع والحلم والإنابة والجلالة والمهابة ..""
وساعد على تفوقه على أقرانه وسيادته أهل زمانه أنه لم يشتغل بشيء من الدنيا، وزهد في أعراضها الدنية وشهواتها الدنيوية.
قال البزار".. وإلا فمن رأينا من العلماء من قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضى بمثل حالته التي كان علهيا، لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا دار فوراء، ولا مماليك وجوار، ولا بساتين و لا عقار، ولا شد على دينار ولا درهم ولا رغب في دواب ولا تعم، ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا حشم، ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رؤى ساعيا في تحصيل المباحات .."
والدارس لترجمة شيخ الإسلام يعلم يقينا لمذا لم يتزوج، وترك هذه السنة العظيمة مع أنه كان أحرص الناس على السنة والجواب: أنه ما وجد هدنة أو فرصة في حياته التي تجاوزت الستين عاما حتى يتزوج، فقد كان من معركة إلى معركة، ومن سجن إلى سجن ومن مناظرة إلى مناظرة، وهذا خطاب أرسله شيخ الإسلام لأمه يعتذر إليها عن شغله عنها، وعدم تمكنه من السفر إليها يقول فيه ـ رحمه الله ـ:"وتعلمون أن مقامنا في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم ولله الحمد ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا، بل كل يوم تستخير الله لنا ولكم، وادعو لنا بالخيرة، فسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخير في خير وعافية".
وقد ترك شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ دررا فاخرة وثروة علمية باهرة من الكتب والفتاوى والتقريرات ومن رحمة الله ـ عز وجل ـ بهذه الأمة حفظ الله ـ عز وجل ـ لنا وله الحمد والمنة على كل نعمة ـ شيئا من تراثه فصدر من مصنفات شيخ الإسلام أكثر من سبعين مجلدا، وكم من تراث علمي ما يزال حبيس دور المخطوطات، لم ير النور ولم ينتفع به المسلمون على كر الدهور، وكم من تراث ضاع واندثر فلم نقف له على خبر، فرحم الله شيخ الإسلام ونفعنا بعلومه، فقد فارق الدنيا وهو صابر محتسب عاكف على كتاب الله في قلعة، فما أحوج طلاب العلم وعوام الناس إلى دراسة تراجم هؤلاء الأعلام، عسى