الصفحة 71 من 215

وكأنما أحس موسى بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه , أن ربه غفر له. والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء , فور الدعاء , حين يصل إرهافه وحساسيته إلى ذلك المستوى ; وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد. . وارتعش وجدان موسى - عليه السلام - وهو يستشعر الاستجابة من ربه , فإذا هو يقطع على نفسه عهدا , يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه:

(قال: رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) . .

فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيرا ومعينا. وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها. حتى ولو كانت اندفاعا تحت تأثير الغيظ , ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه ; ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل. وهذه الإرتعاشة العنيفة , وقبلها الإندفاع العنيف , تصور لنا شخصية موسى - عليه السلام - شخصية انفعالية , حارة الوجدان , قوية الاندفاع. وسنلتقي بهذه السمة البارزة في هذه الشخصية في مواضع أخرى كثيرة.

بل نحن نلتقي بها في المشهد الثاني في هذه الحلقة مباشرة:

(فأصبح في المدينة خائفا يترقب ; فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه , قال له موسى: إنك لغوي مبين. فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ? إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض , وما تريد أن تكون من المصلحين) . .

لقد انتهت المعركة الأولى بالقضاء على القبطي , وندم موسى على فعلته , وتوجهه إلى ربه , واستغفاره إياه , ومغفرته له , وعهده على نفسه ألا يكون ظهيرا للمجرمين.

ومر يوم وأصبح في المدينة خائفا من انكشاف أمره , يترقب الافتضاح والأذى. ولفظ (يترقب) يصور

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت