الصفحة 73 من 215

ولكن الذي حدث أن موسى - بعد ذلك - انفعلت نفسه بالغيظ من القبطي , فاندفع يريد أن يقضي عليه كما قضى على الأول بالأمس! ولهذا الاندفاع دلالته على تلك السمة الانفعالية التي أشرنا إليها , ولكن له دلالته من جانب آخر على مدى امتلاء نفس موسى - عليه السلام - بالغيظ من الظلم , والنقمة على البغي , والضيق بالأذى الواقع على بني إسرائيل , والتوفز لرد العدوان الطاغي , الطويل الأمد , الذي يحتفر في القلب البشري مسارب من الغيظ وأخاديد.

(فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما , قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ? إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض , وما تريد أن تكون من المصلحين (. .

وإنه ليقع حينما يشتد الظلم , ويفسد المجتمع , وتختل الموازين , ويخيم الظلام , أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف ; ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه , ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه ; بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم ; ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره (جبارا في الأرض) كما قال القبطي لموسى. ذلك أنهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون. حتى وهموا أن هذا هو الأصل , وأن هذا هو الفضل , وأن هذا هو الأدب , وأن هذا هو الخلق! وأن هذا هو الصلاح! فإذا رأوا مظلوما يدفع الظلم عن نفسه , فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها. . إذا رأوا مظلوما يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا , وسموا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكا أو جبارا , وصبوا عليه لومهم ونقمتهم. ولم ينل الظالم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل! ولم يجدوا للمظلوم عذرا - حتى على فرض تهوره - من ضيقه بالظلم الثقيل!

ولقد طال الظلم ببني إسرائيل , فضاقت به نفس موسى - عليه السلام - حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت