الصفحة 75 من 215

نرجح هذا لأن قتل موسى لأحد رجال فرعون في معركة بينه وبين إسرائيلي في مثل هذه الظروف يعد حدثا مريحا لنفوس بني إسرائيل , يشفى بعض غيظهم , فيشيع عادة وتتناقله الألسنة في همس وفرح وتشف , حتى يفشو ويتطاير هنا وهناك , وبخاصة إذا عرف عن موسى من قبل نفرته من البغي , وانتصاره للمظلومين.

فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة , لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة , وهو يراه يهم أن يبطش به , وقال له تلك المقالة: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ?) .

أما بقية عبارته: (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) . . فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكا يعرف به أنه رجل صالح مصلح , لا يحب البغي والتجبر. فهذا القبطي يذكره بهذا ويوري به ; ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه. يريد أن يكون جبارا لا مصلحا , يقتل الناس بدلا من إصلاح ذات البين , وتهدئة ثائرة الشر. وطريقة خطابه له وموضوع خطابه , كلاهما يلهم أن موسى لم يكن إذ ذاك محسوبا من رجال فرعون. وإلا ما جرؤ المصري على خطابه بهذه اللهجة , ولما كان هذا موضوع خطابه.

ولقد قال بعض المفسرين: إن هذا القول كان من الإسرائيلي لا من القبطي , لأنه لما قال له موسى: (إنك لغوي مبين) , ثم تقدم نحوه وهو غاضب ليبطش بالذي هو عدو لهما , حسب الإسرائيلي أنه غاضب عليه هو , وأنه يتقدم ليبطش به هو , فقال مقالته , وأذاع بالسر الذي يعرفه وحده. . وإنما حملهم على هذا القول أن ذلك السر كان مجهولا عند المصريين.

ولكن الأقرب أن يكون القبطي هو الذي قال ما قال. وقد عللنا شيوع ذلك السر. وأنها قد تكون فراسة أو حدسا من المصري بمساعدة الظروف المحيطة بالموضوع.

والظاهر أن موسى لم يقدم بعد إذ ذكره الرجل بفعلة الأمس , وأن الرجل أفلت لينهي إلى الملأ من قوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت