فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 285

كان الحل والجواز يمثل هذه الأهمية، فكيف تكون السُّنَّة التي تدل على هذا الحل وهذه الإباحية سُنَّة غير تشريعية؟

الحجة الثانية: خطط الرسول الحربية:

وقد استدل على تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية بحادثة مشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر حين قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:"بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل ثم أشار عليه بأن ينزل منزلًا آخر [1] .

وقد جعلت هذه الحادثة دليلًا على أن تدبير الحروب من أقسام السُّنَّة غير التشريعية، وتأتي على هذا الاستدلال اعتراضات أساسية:

1 -الحادثة نفسها غير ثابتة، فقد رواها ابن هشام في سيرته وفي روايته لها جهالة، ورواها الحاكم وفي سندها من لا يعرف، وقال عنها الذهبي: حديث منكر، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية وفي رواتها متهم [2] . وإذا كانت الحادثة غير ثابتة فلا تقوم بها حجة.

2 -وعلى فرض صحة ثبوت الحادثة فما وجه الدليل فيها؟ هل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدر فيها عن رأيه من غير وحي، ولهذا فهي سُنَّة غير تشريعية، أم لأنه استشار أصحابه في الأمر ونزل عن رأيه لرأيهم.

فعلى الصحيح من رأي العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد برأيه أحيانًا، من غير وحي، في بعض أحكام الشرع، وأحيانًا كان يشاور أصحابه في أمور لا يشك أنها من الأمور الدينية. فقد روي"أنه شاور أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- في مفاداة الأسارى يوم بدر، فأشار عليه أبو بكر بأن يفادي بهم ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } [الأنفال: 68] . ومفاداة الأسير بالمال جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو"

(1) "سيرة ابن هشام"2/ 259.

(2) المصدر نفسه، و"المستدرك"للحاكم 3/ 426، و"البداية والنهاية"لابن كثير 3/ 267، و"زاد المعاد"لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط 3/ هامش ص 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت