الصفحة 103 من 310

فقد خفت في ميزان الله الذي لا يظلم ولا يخطئ . وقد خسروا أنفسهم . فماذا يكسبون بعد؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه . فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له؟

لقد خسروا أنفسهم بكفرهم بآيات الله: { بما كانوا بآياتنا يظلمون } والظلم - كما أسلفنا - يطلق في التعبير القرآني ويراد به الشرك أو الكفر: { إن الشرك لظلم عظيم } ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان - كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر « الإسلامي » ! . . فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبيه والمثيل . مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء . . وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق . . من أن الحساب يومئذ بالحق ، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة ، وأن عملًا لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع .

من هنا تبدأ الرحلة الكبرى . . تبدأ بتمهيد عن تمكين الله للجنس البشري في الأرض ، كحقيقة مطلقة ، وذلك قبل أن تبدأ قصة البشرية تفصيلًا .

{ ولقد مكناكم في الأرض ، وجعلنا لكم فيها معايش ، قليلًا ما تشكرون } :

إن خالق الأرض وخالق الناس ، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض . هو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته وتعوله ، بما فيها من أسباب الرزق والمعايش . .

هو الذي جعلها مقرًا صالحًا لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبعدها عن الشمس والقمر ، ودورتها حول الشمس ، وميلها على محورها ، وسرعة دورتها . . إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس عليها ، وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته ، وبنمو هذه الحياة ورقيها معًا . . وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض ، قادرًا على تطويعها واستخدامها؛ بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف إلى بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت