الصفحة 92 من 310

من هم المؤمنون المكتوب لهم الخير والنصر والسعادة والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض؟ والمكتوب لهم الفوز والنجاة ، والثواب والرضوان في الآخرة؟ ثم ما شاء الله غير هذا وذلك في الدارين مما لا يعلمه إلا الله؟

فما قيمة هذه الصفات؟

قيمتها أنها ترسم شخصية المسلم في أفقها الأعلى . أفق محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ، وخير خلق الله ، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، والذي شهد له في كتابه بعظمة خلقه: { وإنك لعلى خلق عظيم } فلقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن . ثم قرأت . { قد أفلح المؤمنون } حتى { والذين هم على صلواتهم يحافظون } . وقالت . هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومرة أخرى . . ما قيمة هذه الصفات في ذاتها؟ ما قيمتها في حياة الفرد ، وفي حياة الجماعة ، وفي حياة النوع الإنساني؟

{ الذين هم في صلاتهم خاشعون } . . تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله ، فتسكن وتخشع ، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات . ويغشى أرواحهم جلال الله في حضرته ، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل ، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغولون بنجواه . ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم ، فلا يشهدون إلا الله ، ولا يحسون إلا إياه ، ولا يتذوقون إلا معناه . ويتطهر وجدانهم من كل دنس ، وينفضون عنهم كل شائبة؛ فما يضمون جوانحهم على شيء من هذا مع جلال الله . . عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها ، وتجد الروح الحائرة طريقها ، ويعرف القلب الموحش مثواه . وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها بالله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت